تذييل لجملة ( وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ) على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا الحق وحذف المسند إليه في مثل هذا مما جرى على متابعة الاستعمال في حذف المسند إليه بعد جريان ما يدل عليه مثل قولهم بعد ذكر الديار " ربع قواء " وبعد ذكر الممدوح " فتى " ونحو ذلك كما نبه عليه صاحب المفتاح . وقوله ( فلا تكونن من الممترين ) نهى عن أن يكون من الشاكين في ذلك والمقصود من هذا . والتعريف في الحق تعريف الجنس كما في قوله ( الحمد لله ) وقولهم الكرم في العرب هذا التعريف لجزئي الجملة الظاهر والمقدر يفيد قصر الحقيقة على الذي يكتمونه وهو قصر قلب أي لا ما يظهرونه من التكذيب وإظهار أن ذلك مخالف للحق .
A E والامتراء افتعال من المراء وهو الشك والافتعال فيه ليس للمطاوعة ومصدر المرية لا يعرف له فعل مجرد بل هو دائما بصيغة الافتعال والمقصود من خطاب النبي A في قوله ( ولئن اتبعت ) وقوله ( فلا تكونن من الممترين ) تحذير الأمة وهذه عادة القرآن في كل تحذير مهم ليكون خطاب النبي بمثل ذلك وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى وأولاهم بكرامته دليلا على أن من وقع في مثل ذلك من الأمة قد حقت عليه كلمة العذاب وليس له من النجاة باب ويجوز أن يكون الخطاب في قوله ( من ربك ) وقوله ( فلا تكونن ) خطابا لغير معين من كل من يصلح لهذا الخطاب .
( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير [ 148 ] ) عطف على جملة ( الذين آتيناهم الكتب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) فهو من تمام الاعتراض أو عطف على جملة ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) مع اعتبار ما استؤنف عنه من الجمل ذلك أنه بعد أن لقن الرسول A ما يجيب به عن قولهم ( ما ولاهم عن قبلتهم ) وبعد أن بين للمسلمين فضيلة قبلتهم وأنهم على الحق وأيأسهم من ترقب اعتراف اليهود بصحة استقبال الكعبة ذيل ذلك بهذا التذييل الجامع لمعان سامية طيا لبساط المجادلة مع اليهود في أمر القبلة كما يقال في المخاطبات " دع هذا " أو " عد عن هذا " والمعنى أن لكل فريق اتجاها من الفهم والخشية عند طلب الوصول إلى الحق . وهذا الكلام موجه إلى المسلمين أي اتركوا مجادلة أهل الكتاب في أمر القبلة ولا يهمنكم خلافهم فإن خلاف المخالف لا يناكد حق المحق .
وفيه صرف للمسلمين بأن يهتموا بالمقاصد ويعتنوا بإصلاح مجتمعهم وفي معناه قوله تعالى ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) الآية ولذلك أعقبه بقوله ( فاستبقوا الخيرات ) فقوله ( أينما تكونوا ) في معنى التعليل للأمر باستباق الخيرات . فهكذا ترتيب الآية على هذا الأسلوب كترتيب الخطب بذكر مقدمة ومقصد وبيان له وتعليل وتذييل .
و ( كل ) اسم دال على الإحاطة والشمول وهو مبهم بتعين بما يضاف هو إليه فإذا حذف المضاف إليه عوض عنه تنوين كل وهو التنوين المسمى تنوين العوض لأنه يدل على المضاف إليه فهو عوض عنه .
وحذف ما أضيف إليه ( كل ) هنا لدلالة المقام عليه وتقدير هذا المحذوف ( أمة ) لأن الكلام كله في اختلاف الأمم في أمر القبلة وهذا المضاف إليه المحذوف يقدر بما يدل عليه الكلام من لفظه كما في قوله تعالى ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ) أو يقدر بما يدل عليه معنى الكلام المتقدم دون لفظ تقدمه كما في قوله تعالى ( ولكل جعلنا موالي ) في سورة النساء ومنه ما في هذه الآية لأن الكلام على تخالف اليهود والنصارى والمسلمين في قبلة الصلاة فالتقدير ولكل من المسلمين واليهود والنصارى وجهة وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى ( كل له قانتون ) .
والوجهة حقيقتها البقعة التي يتوجه إليها فهي وزن " فعلة " مؤنث فعل الذي هو بمعنى مفعول مثل ذبح ولكونها اسم مكان لم تحذف الواو التي هي فاء الكلمة عند اقتران الاسم بهاء التأنيث لأن حذف الواو في مثله إنما في " فعلة " بمعنى المصدر