ووجه هذا التشبيه أنه لما تمنى أن لو كان معهم وتحسر على فوات فوزه لو حضر معهم كان حاله في تفريطه رفقتهم يشبه حال من لم يكن له اتصال بهم بحيث لا يشهد ما أزمعوا عليه من الخروج للجهاد فهذا التشبيه مسوق مساق زيادة تنديمه وتحسيره أي أنه الذي أضاع على نفسه سبب الانتفاع بما حصل لرفقته من الخير أي أنه قد كان له من الخلطة مع الغانمين ما شانه أن يكون سببا في خروجه معهم وانتفاعه بثواب النصر وفخره ونعمة الغنيمة .
وقرأ الجمهور ( لم يكن ) " بياء الغيبة " وهو طريقة في إسناد الفعل لما لفظه مؤنث غير حقيقي التأنيث مثل لفظ ( مودة ) هنا ولا سيما إذا كان فصل بين الفعل وفاعله . وقرأ ابن كثير وحفص ورويس عن يعقوب " بالتاء الفوقية " علامة المضارع المسند إلى المؤنث اعتبارا بتأنيث لفظ مودة .
( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما [ 74 ] وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا [ 75 ] الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا [ 76 ] ) الفاء : إما للتفريع تفريع الأمر على الآخر أي فرع ( فليقاتل ) على ( خذوا حذركم فانفروا ) أو هي فاء فصيحة أفصحت عما دل عليه ما تقدم من قوله ( خذوا حذركم ) وقوله ( وإن منكم لمن ليبطئن ) لأن جميع ذلك اقتضى الأمر بأخذ الحذر وهو مهيء لطلب القتال والأمر بالنفير والإعلام بمن حالهم حال المتردد المتقاعس أي فإذا علمتم جميع ذلك فالذين يقاتلون في سبيل الله هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة لا كل أحد .
و ( يشرون ) معناه يبيعون لأن شرى مقابل اشترى مثل باع وابتاع وأكرى واكترى وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) في سورة البقرة . فالذين يشرون الحياة الدنيا هم الذين يبذلونها ويرغبون في حظ الآخرة وإسناد القتال المأمور به إلى أصحاب هذه الصلة وهي : ( يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ) للتنويه بفضل المقاتلين في سبيل الله لأن في الصلة إيماء إلى علة الخبر أي يبعثهم على القتال في سبيل الله بذلهم حياتهم الدنيا لطلب الحياة الأبدية وفضيحة أمر المبطئين حتى يرتدعوا عن التخلف وحتى يكشف المنافقون عن دخيلتهم فكان معنى الكلام : فليقاتل في سبيل الله المؤمنون حقا فإنهم يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ولا يفهم أحد من قوله ( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ) أن الأمر بالقتال مختص بفريق دون آخر . لأن بذل الحياة في الحصول على ثواب الآخرة شيء غير ظاهر حتى يعلق التكليف به وإنما هو ضمائر بين العباد وربهم فتعين أن إسناد الأمر إلى أصحاب هذه الصلة مقصود منه الثناء على المجاهدين وتحقير المبطئين كما يقول القائل " ليس بعشك فادرجي " . فهذا تفسير الآية بوجه لا يعتريه إشكال . ودخل في قوله ( أو يغلب ) أصناف الغلبة على العدو بقتلهم أو أسرهم أو غنم أموالهم .
وإنما اقتصر على القتل والغلبة في قوله ( فيقتل أو يغلب ) ولم يزد أو يؤسر إباية من أن يذكر لهم حالة ذميمة لا يرضاها الله للمؤمنين وهي حالة الأسر ؛ فسكت عنها لئلا يذكرها في معرض الترغيب وإن كان للمسلم عليها أجر عظيم أيضا إذا بذل جهده في الحرب فغلب إذ الحرب لا تخلو من ذلك وليس بمأمور أن يلقي بيده إلى التهلكة إذا علم أنه لا يجدي عنه الاستبسال فإن من منافع الإسلام استبقاء رجاله لدفاع العدو .
والخطاب في قوله ( وما لكم لا تقاتلون ) التفات من طريق الغيبة وهو طريق الموصول في قوله ( الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ) إلى طريق المخاطبة .
ومعنى ( ما لكم لا تقاتلون ) ما يمنعكم من القتال وأصل التركيب : أي شيء حق لكم في حال كونكم لا تقاتلون فجملة ( لا تقاتلون ) حال من الضمير المجرور للدلالة على ما منه الاستفهام