A E والاستفهام إنكاري أي لا شيء لكم في حال لا تقاتلون والمراد أن الذي هو لكم هو أن تقاتلوا فهو بمنزلة أمر أي قاتلوا في سبيل الله لا يصدكم شيء عن القتال وقد تقدم قريب منه عند قوله تعالى ( قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله ) في سورة البقرة .
ومعنى ( في سبيل الله ) لأجل دينه ولمرضاته فحرف ( في ) للتعليل ولأجل المستضعفين أي لنفعهم ودفع المشركين عنهم .
و ( المستضعفون ) الذين يعدهم الناس ضعفاء فالسين والتاء للحسبان وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصلح الذي انعقد بين الرسول A وبين سفير قريش سهيل بن عمرو ؛ إذ كان من الشروط التي انعقد عليها الصلح : أن من جاء إلى مكة من المسلمين مرتدا عن الإسلام لا يرد إلى المسلمين ومن جاء إلى المدينة فارا من مكة مؤمنا يرد إلى مكة . ومن المستضعفين الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة . وأما النساء فهن ذوات الأزواج أو ولايى الأولياء المشركين اللائي يمنعهن أزواجهن وأولياؤهن من الهجرة : مثل أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأم الفضل لبابة بنت الحارث زوج العباس فقد كن يؤذين ويحقرن . وأما الولدان فهم الصغار من أولاد المؤمنين والمؤمنات فإنهم كانوا يألمون من مشاهدة تعذيب آبائهم وذويهم وإيذاء أمهاتهم وحاضناتهم . وعن ابن عباس أنه قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين .
والقتال في سبيل هؤلاء ظاهر لإنقاذهم من فتنة المشركين وإنقاذ الولدان من أن يشبوا على أحوال الكفر أو جهل الإيمان .
والقرية هي مكة . وسألوا الخروج منها لما كدر قدسها من ظلم أهلها أي ظلم الشرك وظلم المؤمنين فكراهية المقام بها من جهة أنها صارت يومئذ دار شرك ومناواة لدين الإسلام وأهله ومن أجل ذلك أحلها الله لرسوله أن يقاتل أهلها وقد قال عباس بن مرداس يفتخر باقتحام خيل قومه في زمرة المسلمين يوم فتح مكة : .
شهدن مع النبي مسومات ... حنينا وهي دامية الحوامي .
ووقعة خالد شهدت وحكت ... سنابكها على البلد الحرام وقد سألوا من الله وليا ونصيرا إذ لم يكن لهم يومئذ ولي ولا نصير فنصرهم الله بنبيه والمؤمنين يوم الفتح .
وأشارت الآية إلى أن الله استجاب دعوتهم وهيأ لهم النصر بيد المؤمنين فقال ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ) أي فجند الله لهم عاقبة النصر ولذلك فرع عليه الأمر بقوله ( فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) .
والطاغوت : الأصنام وتقدم تفسيره في قوله تعالى ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) في هذه السورة وقوله ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) .
والمراد بكيد الشيطان تدبيره وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم . وأكد الجملة بمؤكدين ( إن ) ( وكان ) الزائدة الدالة على تقرر وصف الضعف لكيد الشيطان .
( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة [ 77 ] ) تهيأ المقام للتذكير بحال فريق من المسلمين اختلف أول حاله وآخره فاستطرد هنا التعجيب من شأنهم على طريقة الاعتراض في أثناء الحث على الجهاد وهؤلاء فريق يودون أن يؤذن لهم بالقتال فلما كتب عليهم القتال في إبانه جبنوا . وقد علم معنى حرصهم على القتال قبل أن يعرض عليهم من قوله ( قيل لهم كفوا أيديكم ) لأن كف اليد مراد منه ترك القتال كما قال ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ) .
A E