@ 119 @ لعظيم شرفهم وذلك محال ، ولئلا يكونوا غير مقبولي الشهادة ، ولئلا يجب زَجْرهم وإيذاؤهم ، ولئلا يُقْتَدَى بهم في ذلك . ولئلا يكونوا مُسْتَحِقِّين لِلعقاب ، ولئِلا يفعلوا ضِد ما أُمِروا به لأنهم مُصْطفون ، ولأن إبليس استثناهم في الإغواء انتهى ما لخَّصناه من ( المنتخب ) ، والقول في الدلائل لهذه المذاهب . وفي إبطال ما ينبغي إبطاله منها مذكور في كتب أصول الدين . انتهى كلام أبي حَيان . .
وحاصل كلام الأصوليِّين في هذه المسألة : عِصْمَتهم مِن الكُفر وفي كل ما يتعلق بالتبليغ ، ومن الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة وتطفيف حبة ، وأن أكثر أهل الأصول على جواز وقوع الصغائر غير الصغائر الخسة منهم . ولكن جماعة كثيرة مِن متأخِّري الأصوليِّين اختاروا أن ذلك وإن جاز عقلاً لم يَقع فعلاً ، وقالوا : إنما جاء في الكتاب والسنَّة مِن ذلك أن ما فعلوه بتأويل أو نسياناً أو سهواً ، أو نحو ذلك . .
قال مقيده عفا الله وغفر له : الذي يظهر لنا أنه الصواب في هذه المسألة أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لم يَقع منهم ما يزري بمراتبهم العَلِّية ، ومناصبهم السامِيَة . ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصاً فيهم صَلوات الله وسلامه عليهم ، ولو فَرَضْنا أنه وقع منهم بعض الذنوب لأِنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة ، والإخلاص ، وصِدق الإنابة إلى الله حتى ينالوا بذلك أعلى درجاتهم فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئاً من ذلك . ومِما يوضح هذا قوله تعالى : { وَعَصَىءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى } . فانظر أي أثر يبقى لِلعِصْيان والغي بعد توبة الله عليه ، واجتبائه أي اصطفائه إياه ، وهِدايته له ، ولا شكّ أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب ذلك الزلة . والعلم عند الله تعالى . قوله تعالى : { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى } . الاجتباء : الاصْطِفاء والاختيار . أي ثم بعد ما صدر مِن آدم بمهلة اصطفاه ربه واختاره فتاب عليه وهداه إلى ما يُرضيه . ولم يبيِّن هنا السبب لذلك ، ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه تَلَقى مِن ربِّه كلمات فكانت سبب توبة ربه عليه ، وذلك في قوله : { فَتَلَقَّىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ } أي بسبب تلك الكلمات كما تدل عليه الفاء . وقد قدمنا في سورة ( البقرة ) : أن الكلمات المذكورة هي المذكورة في سورة ( الأعراف ) في قوله تعالى : { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }