@ 120 @ وخير ما يفسر به القرآن القرآن . قوله تعالى : { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } . الظاهر أن ألف الاثنين في قوله { اهْبِطَا } راجعة إلى آدَم وحَوَّاء المذكورين في قوله { فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا } ، خلافاً لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم ، وأمْرَه إياهما بالهبوط مِن الجنة المذكور في آية ( طه ) هذه جاء مُبيناً في غير هذا الموضع . كقوله في سورة ( البقرة ) : { وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } ، وقوله فيها أيضاً : { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ، وقوله في ( الأعراف ) : { قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الاٌّ رْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } . وفي هذه الآيات سؤال معروف ، وهو أن يُقال : كيف جيء بصيغة الجمع في قوله { اهْبِطُواْ } في ( البقرة ) و ( الأعراف ) وبصيغة التثنية في ( طه ) في قوله : { اهْبِطَا } مع أنه أَتْبع صيغة التثنية في ( طه ) بصيغة الجمع في قوله { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى } وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك : أن التثنية باعتبار آدم وحَوَّاء فقط ، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما . خلافاً لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم وإبليس ، والجمع باعتبار معهم ذريتهما معهما ، وخلافاً لمن زعم أن الجمع في قوله : { اهْبِطُواْ } مراد به آدم وحواء وإبليس والحَية . والدليل على أن الحية ليست مرادة في ذلك هو أنها لا تدخل في قوله { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى } لأنها غير مكلفة . .
واعلم أن المفسِّرين يذكرون قِصّة الحية ، وأنها كانت ذات قوائم أربع كالبختية من أحسن خلقها الله ، وأن إبليس دخل في فمها فأدخلته الجنة ، فوسوس لآِدَم وحوَّاء بعد أن عرض نفسه على كثير من الدواب فلم يدخله إلا الحية . فأهبط هو إلى الأرض ولُعِنَتْ هي وردت قوائمها في جوفها ، وجُعِلَت العداوة بَينها وبين بني آدم ، ولذلك أمروا بقتلها . وبهذه المناسبة ذكر القرطبي رحمه الله في تفسيره في سورة ( البقرة ) جملاً من أحكام قتل الحيات . فذكر عن ساكنة بنت الجعد أنها روت عن سري بنت نبهان الغنوية أنها سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يأمر بقتل الحيات صغيرها وكبيرها ، وأسودها وأبيضها ، ويرغِّب في ذلك . ثم ذكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود حديثاً فيه : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بقتل حية فسبقتهم إلى جحرها . فأمرهم أن يضرموا عليها