@ 371 @ النَّبي صلى الله عليه وسلم ، لأن الروايات المتواترة المصرحة ، بأنه صلى الله عليه وسلم عين ما أحرم به من ذي الحليفة ، من إفراد ، أو قران ، أو تمتع ، لا تمكن معارضتها لقوتها ، وتواترها ، واتفاق جميعها على تعيين الإحرام من ذي الحليفة ، وإن اختلف في نوعه ، ومستند من ادعى تلك الدعوى أحاديث جاءت يفهم من ظاهرها ذلك منها حديث عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا نذكر حجاً ، ولا عمرة . وفي لفظ يُلَبِّي . ولا يَذْكُر حجاً ولا عمرة ، ونحو ذلك من الأحاديث ، وهذا لا تعارض به تلك الروايات الصحيحة المتواترة . وقد أجاب العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد عن الأحاديث التي استدل بها من ادعى الدعوى المذكورة ، فأفاد وأجاد ، والعلم عند الله تعالى . .
تنبيه الخامس .
اعلم أن الأحاديث الواردة بأنه كان مفرداً والواردة بأنه كان قارناً والواردة بأنه كان متمتعاً لا يمكن الجمع ألبتة بينها إلا الواردة منها بالتمتع ، والواردة بالقران ، فالجمع بينهما واضح ، لأن الصحابة كانوا يطلقون اسم التمتع على القران ، كما هو معروف عنهم ، ولا يمكن النزاع فيه ، مع أن أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتمتع ، قد يطلق عليه أنه تمتع لأن أمره بالشيء كفعله إياه أما الواردة بالإفراد فلا يمكن الجمع بينها بحال ، مع الأحاديث الواردة بالتمتع والقران فادعاء إمكان الجمع بينها غلط ، وإن قال به خلق لا يحصى من أجلاء العلماء . .
ويبين أيضاً : أن ذلك هو معنى حديث جابر عند مسلم ، حيث قال رحمه الله في صحيحه : حدثنا ابن نمير ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاءٍ ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا ، وضاقت به صدورنا ، فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فما ندري أشيء بلغه من السماء ، أم شيء من قبل الناس ؟ فقال ( أيها الناس أحلوا فلولا أن معي الهدي فعلت كما فعلتم ) الحديث . .
فقول جابر رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح : فكبر ذلك علينا ، وضاقت به صدورنا ، يدل على أن ما كان في نفوسهم من كراهة العمرة في أشهر الحج ، لم يزل ولولا ذلك لما كبر عليهم ، ولا ضاقت صدورهم بالإحلال بعمرة في أشهر الحج ، كما أوضحه حديثه المذكور أيضاً . وعلى هذا الذي ذكروه ، فالذي استدبره من أمره ، ولو استقبله لم يسق الهدي : هو ملاحظة البيان المذكور ، وإن كان قد بين ذلك سابقاً لاحتياجه إلى تأكيد البيان في مثل ذلك الجمع ، وهو مودع ، ولا ينافي ذلك أنه أمر القارنين بالفسخ المذكور مع أن العمرة المقرونة مع الحج فيها البيان المذكور ، لأن العمرة المفردة عن الحج أبلغ في البيان ، لأنها ليست مع الحج ، فهي مستقلة عنه فلا يحتمل أنها إنما جازت تبعاً له . وقد أوضحنا في هذا الكلام حجة من قال من أهل العلم : بتفضيل الإفراد على غيره ، من أنواع النسك ، وجوابهم عما جاء من الأحاديث دالاً على أفضلية القران أو التمتع ، ووجه جمعهم بين الأحاديث الصحيحة التي ظاهرها الاختلاف في حجة النَّبي صلى الله عليه وسلم . .
المسألة الرابعة .
ذهب جماعة من أهل العلم ، إلى أن القران هو أفضل أنواع النسك ، وممن قال بهذا : أبو حنيفة ، وأصحابه ، وسفيان الثوري ، وإسحاق بن راهويه ، والمزني ، وابن المنذر ، وأبو إسحاق المروزي ، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب ، واحتج أهل هذا القول بأحاديث كثيرة ، دالة على أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً في حجته . .
منها : ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال ( تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل الحج ) الحديث أخرجاه بهذا اللفظ . .
ومنها : ما أخرجه الشيخان متصلاً بحديث ابن عمر هذا من طريق عروة بن الزبير ، عن عائشة : أنها أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث ابن عمر المذكور سواء . .
ومنها : ما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما ، من حديث قتيبة ، عن الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ( أنه قرن الحج إلى العمرة ، وطاف لهما طوافاً واحداً ) ثم قال : هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . .
ومنها : ما رواه الشيخان ، عن عمران بن حصين الخزاعي رضي الله عنهما ، قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ، يعني متعة الحج ، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ، قال رجل برأيه ما شاء الحديث ، هكذا لفظ مسلم في صحيحه في بعض رواياته لهذا الحديث ، ولفظ البخاري قريب منه بمعناه في التفسير ، وفي الحج . ومراد عمران بن حصين رضي الله عنهما بالتمتع المذكور : القران بدليل الروايات الصحيحة الثابتة في صحيح مسلم ، وغيره المصرحة بذلك . .
قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه : وحدثنا عبيد الله بن معاذٍ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن حميْد بن هِلاَلٍ ، عن مطرفٍ قال : قال لي عِمْرَانُ بن حصين : أحدثك حديثاً عسى الله أن ينفعك به : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعُمرة ، ثم لم ينه عنه ، حتى مات ، ولم ينزل فيه قُرآنٌ يحرمْهُ ، وقد كان يسلم علي حتى اكتَوَيْتُ فتركتُ ، ثم تركتُ الكي فعادَ . .
حدثناه محمد بن المثنَّى وابن بشار ، قالا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شُعبةً ، عن حميد بن هِلاَلٍ ، قال : سمعت مطرفاً قال : قال لي عِمْران بن حصين : بمثل حديث معاذ . .
وحدثنا محمدْ بن المثنَّى وابن بشار . قال ابن المثنى : حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن مطَرف : قال : بعث إلى عمران بن حصين في مرَضِهِ الذي توفي فيه ، فقال : إني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي ، فإن عشت فاكتم عني ، وإن مت فحدث بها إن ، شئت إنه قد سلم علي ، واعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حج وعُمرة ، ثم لم ينزل فيها كتاب الله ، ولم ينه عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم ، قال رجل برأيه ما شاء . .
وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عِيسى بن يونس ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جمع بين حج وعمرة ، ثم لم ينزل فيها كتاب ، ولم ينهنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فيها رجل برأيه ما شاء . انتهى منه . .
وهذه الروايات تبين أن مراده بالتمتع : القران ، ومعروف عن الصحابة رضي الله عنهم ، أنهم يطلقون اسم التمتع على القران ، لأن فيه عمرة في أشهر الحج مع الحج . .
ومنها : ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ( أن النَّبي صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة ) ففي بعض روايات حديثه ، قال ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعاً ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بها حتى أصبح ، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر ، ثم أهل بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما ) الحديث ، هذا لفظ البخاري في صحيحه ، وقد قدمنا بعض ألفاظ مسلم في حديث أنس في القران ، ومخالفة ابن عمر له في ذلك ، قائلاً : إنه أفرد ، وفي بعض روايات حديث أنس عند مسلم عن يحيى بن أبي إسحاق ، وعبد العزيز بن صهيب ، وحميد ، أنهم سمعوا أنساً رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أهل بهما جميعاً : ( لبيك عُمرة وحجًّا ، لبَّيك عُمرة وحجًّا ) ، وقد روي عن أنس رضي الله عنه حديث قران النَّبي هذا ستة عشر رجلاً ، كما بينه العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ، وهم الحسن البصري وأبو قلابة ، وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمان الطويل ، وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وثابت البناني ، وبكر بن عبد الله المزني ، وعبد العزيز بن صهيب ، وسليمان التيمي ، ويحيى بن أبي إسحاق ، وزيد بن أسلم ، ومصعب بن سليم ، وأبو أسماء وأبو قدامة عاصم بن حسين ، وأبو قزعة ، وهو سويد بن حجر الباهلي . .
ومنها : ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها ، وعن أبيها ، قالت : يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا بعمرة ، ولم تحلل أنت من عمرتك ؟ قال ( إني لبدت رأسي وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر ) انتهى منهما بلفظه . وهذه العمرة المذكورة في هذا الحديث المتفق عليه عمرة مقرونة مع الحج بلا شك في ذلك ، كما جزم به النووي في شرح مسلم . .
ومنها : ما رواه البخاري في صحيحه ، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق ، يقول : ( أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال : صل في هذا الوادي المبارك وقل : عمرة في حجة ) ا ه . وقوله في هذا الحديث وقل عمرة في حجة يدل على القران ، والمحتملات الأخر التي حمله عليها بعض المالكية والشافعية وغيرهم لا تظهر كل الظهور : بل معناه القران كما ذكرنا ، وجزم به غير واحد والله تعالى أعلم ، والأحاديث بمثل مما ذكرنا كثيرة . .
وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد : منها بضعة وعشرين حديثاً ، عن سبعة عشر صحابياً وهم جابر ، وعائشة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعمران بن حصين ، والبراء بن عازب ، وحفصة أم المؤمنين ، وأبو قتادة ، وابن أبي أوفى وأبو طلحة ، والهرماس بن زياد ، وأم سلمة ، وأنس بن مالك ، وسعد بن أبي وقاص ، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعاً وعده لعثمان رضي الله عنه في جملة من روى القران ، مع ما ثبت عنه من النهي عنه يعني به تقريره لعلي رضي الله عنه على القران . .
وبالجملة : فثبوت كون النَّبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً بالأحاديث الصحيحة ، التي ذكرنا طرفاً منها لا مطعن فيه ، وقد قدمنا أن القائلين بأفضلية الإفراد معترفون بقرانه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، إلا أنهم جمعوا بين الأحاديث ، بأنه أحرم أولاً مفرداً ، ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارناً . والذين قالوا : بأفضلية القران جزموا بأنه صلى الله عليه وسلم أحرم قارناً في ابتداء إحرامه ، واستدلوا لذلك بأحاديث صحيحة . .
منها : حديث ابن عمر المتفق عليه ، وقد قدمناه في هذا المبحث ، وفيه : وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج وهو تصريح منه رضي الله عنه ، بأنه أهل بالعمرة قبل الحج ومنها : حديث عمر رضي الله عنه عند البخاري ، وقد قدمناه أيضاً وفيه ( وقل عمرةٍ في حجة ) وكان ذلك بالعقيق قبل إحرامه ، وأهل هذا القول جمعوا بين الأحاديث الواردة بالإفراد ، والأحاديث الواردة بالقران ، والأحاديث الواردة بالتمتع ، بغير الجمع الذي ذكرناه عن القائلين بأفضلية الإفراد ، وهو أن وجه الجمع أن المراد بالإفراد : إفراد أعمال الحج ، لأن القارن يفعل في أعمال الحج كما يفعله الحاج المفرد ، فيطوف لهما طوافاً واحداً ، ويسعى لهما سعياً واحداً ، على أصح الأقوال ، وأقواها دليلاً . وأما جوابهم عن أحاديث التمتع فواضح لأن الصحابة يطلقون التمتع على القراآن كما قدمنا في حديث عمران بن حصين ، وكما يدل له ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما ، عن سعيد بن المسيب قال : اجتمع عثمان وعلي رضي الله عنهما ، وكان عثمان ينهي عن المتعة فقال علي ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه فقال عثمان : دعنا منك فقال : إني لا أستطيع أن أدعك ، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً . فهذا يبين : أن من جمع بينهما كان متمتعاً عندهم ، وأن هذا هو الذي فعله صلى الله عليه وسلم ، وأقره عثمان ، على أن النَّبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، لكن الخلاف بينهما في الأفضل من ذلك . .
ومما يدل على أن القارن متمتع عندهم حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث فإن في لفظه عند الشيخين ( تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى ، فساق الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج ) فتراه صرح بأن مراده بالتمتع القران . المسألة الخامسة .
اعلم : أن حجة من قال : بأن التمتع أفضل مطلقاً ، ومن قال : بأنه أفضل لمن لم يسق الهدي ، وكلاهما مروي عن الإمام أحمد هي : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر جميع أصحابه ، الذين لم يسوقوا هدياً أن يفسخوا حجهم في عمرة . كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة بروايات صحيحة لا مطعن فيها ، وتأسف هو صلوات الله وسلامه عليه ، على سوقه للهدي الذي كان سبباً لعدم تحلله بالعمرة معهم . قالوا : لو لم يكن التمتع هو أفضل الأنساك ، لما أمر به أصحابه ، ولما تأسف على أنه لم يفعله في قوله ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ) . .
تنبيهات .
الأول : اعلم أن دعوى من ادعى أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً التمتع المعروف ، وأنه حل من عمرته ، ثم أحرم للحج باطلة بلا شك . وقد ثبت بالروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها : أنه كان قارناً ، وأنه لم يحل حتى نحر هديه ، كما قدمناه في هذا المبحث في حديث أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها ، وعن أبيها . .
فإن لفظ النَّبي صلى الله عليه وسلم في حديثها المتفق عليه قال ( إني لبدت رأسي ، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ) والأحاديث بمثله كثيرة . وسبب غلط من ادعى الدعوى الباطلة المذكورة ، هو ما أخرجه مسلم في صحيحه : .
حدثنا عمرو الناقد ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن هشام بن حجير ، عن طاوس قال : قال ابن عباس : قال معاوية : أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عند المروة بمشقص قلت له : لا أعلم هذا إلا حجة عليك . وحدثني محمد بن حاتم ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، حدثني الحسن بن مسلم ، عن طاوسٍ ، عن ابن عباس : أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال : قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص وهو على المروة ، أو رأيته يقصِّر عنه بمشقص ، وهو على المروة . انتهى منه وأخرج البخاري هذا الحديث عن معاوية بلفظ : قال قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص ، فالاستدلال بهذا الحديث ، على أن النَّبي أحل بعمرة في حجة الوداع غلط فاحش مردود من وجهين . .
الأول : أنه ليس في الحديث المتفق عليه ذكر حجة الوداع ، ولا شيء يدل على أن ذلك التقصير كان فيها . .
الثاني : ورود الرواية الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه لم يحل إلا بعد الرجوع من عرفات ، بعد أن نحر هديه . وقال النووي في كلامه على حديث معاوية هذا ، وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة ، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارناً كما سبق إيضاحه ، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حلق بمنى ، وفرق أبو طلحة رضي الله عنه شعره بين الناس فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ، ولا يصح حمله أيضاً على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة ، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلماً ، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان ، هذا هو الصحيح المشهور ، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع ، وزعم أنه صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً ، لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قيل له : ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت ؟ قال ( إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي ) وفي رواية ( حتى أحل من الحج ) والله تعالى أعلم انتهى كلام النووي ولا شك أن حمل حديث معاوية على حجة الوداع ، لا يصح بحال والعلم عند الله تعالى . .
التنبيه الثالث .
اعلم أن دعوى من ادعى كنه لم يحل بعمرة من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، إلا من أحرم بالعمرة وحدها ، وأن من أهل بحج ، أو جمع الحج والعمرة لم يحل أحد منهم ، حتى كان يوم النحر دعوى باطلة أيضاً لأن الروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها عن جماعة من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة ، بكل الوضوح والصراحة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، أمر كل من لم يكن معه هدي ، أن يحل بعمرة ، سواء كان مفرداً أو قارناً ، ومستند من ادعى تلك الدعوى الباطلة ، هو ما أخرجه مسلم رحمه الله في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمان بن نوفل ، عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهل بالحج ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج . فأما من أهل بعمرة فحل ، وأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا ، حتى كان يوم النحر انتهى منه لأن الذين لم يحلوا من القارنين ، والمفردين في هذا الحديث ونحوه من الأحاديث يجب حملهم ، على أن معهم الهدي لأجل الروايات الصحيحة المصرحة بذلك وبأن من لم يكن معهم هدي فسخوا حجهم في عمرة بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم . .
التنبيه الرابع .
اعلم أن دعوى من قال : إن النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، أحرم إحراماً مطلقاً ، ولم يعين نسكاً ، وأنه لم يزل ينتظر القضاء ، حتى جاءه القضاء بين الصفا والمروة أنها دعوى غير صحيحة ، وإن قال الإمام الشافعي : في اختلاف الحديث ، إن ذلك ثابت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، لأن الروايات المتواترة المصرحة ، بأنه صلى الله عليه وسلم عين ما أحرم به من ذي الحليفة ، من إفراد ، أو قران ، أو تمتع ، لا تمكن معارضتها لقوتها ، وتواترها ، واتفاق جميعها على تعيين الإحرام من ذي الحليفة ، وإن اختلف في نوعه ، ومستند من ادعى تلك الدعوى أحاديث جاءت يفهم من ظاهرها ذلك منها حديث عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا نذكر حجاً ، ولا عمرة . وفي لفظ يُلَبِّي . ولا يَذْكُر حجاً ولا عمرة ، ونحو ذلك من الأحاديث ، وهذا لا تعارض به تلك الروايات الصحيحة المتواترة . وقد أجاب العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد عن الأحاديث التي استدل بها من ادعى الدعوى المذكورة ، فأفاد وأجاد ، والعلم عند الله تعالى . .
تنبيه الخامس .
اعلم أن الأحاديث الواردة بأنه كان مفرداً والواردة بأنه كان قارناً والواردة بأنه كان متمتعاً لا يمكن الجمع ألبتة بينها إلا الواردة منها بالتمتع ، والواردة بالقران ، فالجمع بينهما واضح ، لأن الصحابة كانوا يطلقون اسم التمتع على القران ، كما هو معروف عنهم ، ولا يمكن النزاع فيه ، مع أن أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتمتع ، قد يطلق عليه أنه تمتع لأن أمره بالشيء كفعله إياه أما الواردة بالإفراد فلا يمكن الجمع بينها بحال ، مع الأحاديث الواردة بالتمتع والقران فادعاء إمكان الجمع بينها غلط ، وإن قال به خلق لا يحصى من أجلاء العلماء . .
واختلفوا في وجه الجمع على قولين كما أوضحناه ، فمنهم من جمع بأن أحاديث الإفراد ، يراد بها : أنه أحرم أولاً مفرداً ، وأحاديث القران يراد بها : أنه بعد إحرامه مفرداً أدخل العمرة على الحج ، فصار قارناً فصدق هؤلاء باعتبار أول الأمر ، وصدق هؤلاء باعتبار آخره ، مع أن أكثرهم يقولون : إن إدخال العمرة على الحج خاص به صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز لغيره ، وهذا الجمع قال به أكثر المالكية ، والشافعية . وقال النووي : لا يجوز العدول عنه ، ومنهم من جمع بأن أحاديث الإفراد يراد بها : إفراد أعمال الحج ، والقارن يعمل في سعيه وطوافه ، كعمل المفرد على أصح الأقوال وأقواها دليلاً وكلا الجميعين غلط ، مع كثرة وجلالة من قال به من العلماء . وإنما قلنا : إنهما كليهما غلط لأن المعروف في أصول الفقه ، وعلم الحديث أن الجمع لا يمكن بين نصين متناقضين تناقضاً صريحاً ، بل الواجب بينهما الترجيح ، وإنما يكون الجمع بين نصين ، لم يتناقضا تناقضاً صريحاً فيحمل كل منهما على محمل ، ليس في الآخر التصريح بنقيضه ، فيكونان صادقين ، ولأجل هذا