@ 388 @ الطواف والسعي ، وحدث به على الصواب . كما حدثنا به محمد بن إبراهيم بن نيروز ، ثنا محمد بن يحيى الأزدي به : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قرن . انتهى قال : وقد خالفه غيره فلم يذكر فيه الطواف ، ولا السعي ، كما حدثنا به أحمد بن عبد الله بن محمد بن الوكيل ، ومحمد بن مخلد قالا : ثنا القاسم بن محمد بن عباد المهلبي ، ثنا عبد الله بن داود ، عن شعبة بهذا الإسناد : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قرن ا ه . انتهى كله من نصب الراية . .
وقد علمت منه أن جميع هذه الأحاديث الدالة على طوافين وسعيين للقارن ، ليس فيها حديث قائم كما رأيت . .
وقال ابن حجر في فتح الباري : واحتج الحنفية بما روي عن علي : أنه جمع بين الحج والعمرة ، فطاف لهما طوافين ، وسعى لهما سعيين ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ، وطرقه عن علي عند عبد الرزاق ، والدارقطني ، وغيرهما ضعيفة ، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه ، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك ، وفيه الحسن بن عمارة ، وهو متروك ، والمخرج في الصحيحين ، وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد . وقال البيهقي : إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين ، فيحمل على طواف القدوم ، وطواف الإفاضة . وأما السعي مرتين فلم يثبت ، وقال ابن حزم : لا يصح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحد من أصحابه شيء في ذلك أصلاً . انتهى محل الغرض منه . .
وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد : وأما من قال : إنه حج قارناً قراناً طاف له طوافين وسعى سعيين ، كما قاله كثير من فقهاء الكوفة ، فعذره ما رواه . الدارقطني من حديث مجاهد ، عن ابن عمر : أنه جمع بين حج وعمرة معاً وقال : سبيلهما واحد ، قال : وطاف لهما طوافين ، وسعى لهما سعيين وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع ، كما صنعت . وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أنه جمع بينهما ، وطاف لهما طوافين ، وسعى لهما سعيين ، وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت . وعن علي رضي الله عنه أيضاً : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً ، فطاف طوافين ، وسعى سعيين ، وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لحجته وعمرته طوافين ، وسعى سعيين ، وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود . وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم طاف طوافين ، وسعى سعيين ، وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة ، بل لا يصح منها حرف واحد . أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عمارة ، وقال الدارقطني : لم يروه عن الحكم ، غير الحسن بن عمارة ، وهو متروك الحديث . وأما حديث علي الأول ففيه حفص بن أبي داود ، وقال أحمد ومسلم : حفص متروك الحديث . وقال ابن خراش : هو كذاب يضع الحديث ، وفيه محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى ضعيف . وأما حديثه الثاني : فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده قال الدارقطني : عيسى بن عبد الله يقال له مبارك ، وهو متروك الحديث . وأما حديث علقمة ، عن عبد الله فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد عن حماد عن إبراهيم ، عن علقمة . قال الدارقطني وأبو بردة ضعيف ، ومن دونه في الإسناد ضعفاء . انتهى . وفيه عبد العزيز بن أبان . قال يحيى : هو كذاب خبيث ، وقال الرازي والنسائي : متروك الحديث . وأما حديث عمران بن حصين : فهو مما غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي وحدث به من حفظه فوهم فيه ، وقد حدث به على الصواب مراراً ، ويقال : إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي . انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم . .
فإذا عرفت أن أحاديث السعيين والطوافين ليس فيها شيء قائم كما رأيت ، فاعلم أن الذين قالوا : بأن القارن يطوف طوافاً ، ويسعى سعياً كفعل المفرد ، أجابوا عن الأحاديث المذكورة من وجهين . .
الأول : هو ما بيناه الآن بواسطة نقل الزيلعي وابن حجر وابن القيم عن الدارقطني ، وغيره من أوجه ضعفها . .
والثاني : أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً أن بعضها يصلح للاحتجاج وضعافها يقوي بعضها بعضاً ، فلا يقل مجموع طرقها عن درجة القبول فهي معارضة بما هو أقوى منها ، وأصح ، وأرجح ، وأولى بالقبول من الأحاديث الثابتة في الصحيح ، الدالة على أن النَّبي لم يفعل في قرانه . إلا كما يفعل المفرد كحديث عائشة المتفق عليه ، وحديث ابن عباس عند البخاري وكالحديث المتفق عليه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة ( يكفيك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة لحجك وعمرتك ) كما قدمناه واضحاً ، وقد اتضح من جميع ما كتبناه في هذه المسألة : أن التحقيق فيها أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة في أعمال الحج ، وأن المتمتع يطوف ، ويسعى لعمرته ، ثم يطوف ويسعى لحجته ، ومما يوضح من جهة المعنى : أنه يطوف ويسعى لحجه بعد رجوعه من مِنًى أنه يهل بالحج بالإجماع ، والحج يدخل في معناه دخولاً مجزوماً به الطواف والسعي ، فلو كان يكفيه طواف العمرة التي حل منها ، وسعيها ، لكان إهلاكه بالحج إهلالاً بحج ، لا طواف فيه ولا سعي ، وهذا ليس بحج في العرف ولا في الشرع ، والعلم عند الله تعالى . .
فروع تتعلق بهذه المسألة .
الفرع الأول : اعلم أن صفة الطواف بالبيت هي أن يبتدىء طوافه من الركن الذي فيه الحجر الأسود ، فيستقبله ، ويستلمه ، ويقبله إن لم يؤذ الناس بالمزاحمة ، فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر فيمر جميع بدنه على جميع الحجر وذلك بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ، ويتحقق أنه لم يبق وراءه جزء من الحجر ثم يبتدىء طوافه ماراً بجميع بدنه على جميع الحجر ، جاعلاً يساره إلى جهة البيت ، ثم يمشي طائفاً بالبيت ، ثم يمر وراء الحجر بكسر الحاء ويدور بالبيت . فيمر على الركن اليماني ، ثم ينتهي إلى ركن الحجر الأسود ، وهو المحل الذي بدأ منه طوافه ، فتتم له بهذا طوافة واحدة ، ثم