@ 477 @ وهو عموم شامل لأهل مكة وغيرهم ، ولا شك أن التأخر أفضل من التعجل لأن فيه زيادة عمل ، والنَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لم يتعجل . .
الفرع العاشر : اعلم أن العلماء اختلفوا في المبيت في منى ، ليالي أيام التشريق هل هو واجب أو مستحب ، مع إجماعهم على أنه مشروع ؟ فذهب مالك ، وأصحابه : إلى أنه واجب ، ولو بات ليلة واحدة منها أو جل ليلة ، وهو خارج عن منى . لزمه دم لأثر ابن عباس السابق . وروى مالك في الموطأ ، عن نافع أنه قال : زعموا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كان يبعث رجالاً يُدْخلون الناس من وراء العقبة . وروى مالك في الموطأ أيضاً ، عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن عمر بن الخطاب قال : لا يَبِيتَنَّ أحد من الحاج ليالي منًى من وراء العقبة . اه منه . .
وهو دليل على وجوب المبيت ليالي أيام التشريق بمنى كما أنه دليل على أن ما وراء جمرة العقبة ، مما يلي مكة ، ليس من منى ، وهو معروف ، ومذهب أبي حنيفة : هو أن عدم المبيت بمنى ليالي منى مكروه ، ولو بات بغير منى لم يلزمه شيء ، عند أبي حنيفة ، وأصحابه ، لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يسهل عليه الرمي ، فلم يكن من الواجبات عندهم . ومذهب الشافعي في هذه المسألة : هو أن في المبيت بمنى ليالي منى طريقتين ، أصحهما ، وأشهرهما فيه قولان أصحهما : أنه واجب ، والثاني : أنه سنة ، والطريق الثاني أنه سنة قولاً واحداً فعلى القول بأنه واجب ، فالدم واجب في تركه ، وعلى أنه سنة ، فالدم سنة في تركه ، ولا يلزم عندهم الدم ، إلا في ترك المبيت في الليالي كلها ، لأنها عندهم كأنها نسك واحد ، وإن ترك المبيت في ليلة من الليالي الثلاث ، ففيه الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم أصحها أن في ترك مبيت الليلة الواحدة عدا ، والثاني : أن فيه درهماً ، والثالث : أن فيه ثلث دم كما تقدم ، وحكم الليلتين معلوم كما تقدم . .
ومذهب الإمام أحمد في هذه المسألة : أن المبيت بمنى ليالي منى واجب ، فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث . فعليه دم على الصحيح من مذهبه ، وعنه : يتصدق بشيء ، وعنه : لا شيء عليه فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها ، ففيه ما في الحصاة الواحدة من الأقوال التي قدمنا ، قل من وقيل : درهم ، وقيل ، ثلث دم . .
فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فاعلم أن أظهر الأقوال دليلاً أن المبيت بمنى أيام منى نسك من مناسك الحج ، يدخل في قول ابن عباس : من نسي من نسكه شيئاً ، أو تركه فليهرق دماً .