@ 40 @ والفَرق ثلاثة آصع . فهذه النصوص الصحيحة الصريحة : مبينة غاية البيان آية الفدية ، موضحة : أن الصيام المذكور في الآية ثلاثة أيام ، وأن الصدقة فيها ثلاثة آصع بين ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، وأن النسك فيها ما تيسر شاة فما فوقها ، وأن ذلك على سبيل التخيير بين الثلاثة ، كما هو نص الآية ، والأحاديث المذكورة ، وهذا لا ينبغي العدول عنه ، لدلالة القرآن ، والسنة الصحيحة عليه ، وهو قول جماهير العلماء . .
وبه تعلم أن قول الحسن والثوري وعكرمة ونافع : أن الصيام عشرة أيام ، والصدقة على عشرة مساكين ، خلاف الصواب لما ذكرنا ، وإنما يقول أصحاب الرأي : من أنه يجزىء نصف صاع من البر خاصة لكل مسكين ، وأما غير البر كالتمر والشعير مثلاً ، فلا بد من صاع كامل لكل مسكين ، خلاف الصواب أيضاً لمخالفته للروايات الصحيحة ، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها آنفاً ، وأن ما رواه الطبري وغيره ، عن سعيد بن جبير : من أن الواجب أولاً النسك ، فإن لم يجد نسكاً ، فهو مخير بين الصوم والصدقة ، خلاف الصواب أيضاً ، للأدلة التي ذكرناها ، وهي واضحة صريحة في التخيير . .
ومن أصرحها في التخيير ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا حماد ، عن داود ، عن الشعبي ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ( إن شئت فانسك نسيكة ، وإن شئت فصم ثلاثة أيام ، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين ) ا ه . فصراحة هذا في التخيير بين الثلاثة كما ترى وما رواه مالك في موطئه ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه ، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرماً ، فآذاه القمل في رأسه ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه ، وقال : ( صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ ، لكل إنسان أو انسك بشاة . أيَّ ذلك فعلت أجزأ عنك ) ا ه من الموطأ . .
وقوله ( أيَّ ذلك فعلت أجزأ عنك ) صريح في التخيير كما ترى ، مع أن الآية الكريمة ، والروايات الثابتة في الصحيحين نصوص صريحة في ذلك لصراحة لفظة ، أو في التخيير والعلم عند الله تعالى . .
وهذا الذي بينا حكمه الآن : هو حلق جميع شعر الرأس أما حلق بعض شعر الرأس ، أو شعر باقي الجسد غير الرأس ، فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله .