@ 62 @ .
النوع الثاني : ما ينبته الآدميون للطيب ، ولا يتخذ منه طيب ، كالريحان ، والنرجس ، ونحو ذلك وفي هذا النوع للحنابلة وجهان . .
أحدهما : يباح بغير فدية كالذي قبله . .
قال في المغني : وبه قال عثمان بن عفان ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحاق . .
والوجه الثاني : يحرم شمه ، فإن فعل فعليه الفدية . .
قال في المغني : وهو قول جابر ، وابن عمر ، والشافعي ، وأبي ثور ، لأنه يتخذ للطيب فأشبه الورد . وكرهه مالك ، وأصحاب الرأي ، ولم يوجبوا فيه شيئاً ، وكلام أحمد فيه محتمل لهذا ، فإنه قال في الريحان : ليس من آلة المحرم ، ولم يذكر فديته ، وذلك لأنه لا يتخذ منه طيب ، فأشبه العصفر . ا ه من المغني . .
والنوع الثالث عندهم : هو ما ينبت للطيب ، ويتخذ منه طيب كالورد والبنفسج والياسمين ، ونحو ذلك . وهذا النوع إذا استعمله ، وشمه ففيه : الفدية عندهم ، لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه ، فكذلك في أصله . وعن أحمد رواية أخرى في الورد : أنه لا فدية عليه في شمه ، لأنه زهر كزهر سائر الشجر . .
قال في المغني : وذكر أبو الخطاب في هذا ، والذي قبله روايتين والأولى : تحريمه ، لأنه ينبت للطيب ، ويتخذ منه ، فأشبه الزعفران والعنبر . قال القاضي يقال : إن العنبر ثمر شجر وكذلك الكافور . ا ه من المغني . .
واختلفوا في رفعه فوقه شيئاً يقيه من البرد . والأظهر الجواز والله أعلم . لدخوله في معنى الحديث المذكور ، إذ لا فرق بين الأذى من البرد والحر والمطر والله أعلم . وبعضهم يقول : إن الفدية المذكورة مندوبة لا واجبة . وما يذكره المالكية ، من أن من لم يجد الإزار ، يكره له لبس السراويل أو يمنع وأن ذلك تلزم فيه الفدية ، خلاف التحقيق للحديث المتقدم الذي قال فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم ( ومن لم يجد إزاراً فليلبس السَّراويل ) وهو حديث صحيح كما تقدم . وظاهره أن من لم يجد إزاراً ، فله لبس السراويل من غير إثم ولا فدية ، إذ لو كانت الفدية تلزمه لبينه النَّبي صلى الله عليه وسلم لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه ، ولا خلاف بين أهل العلم في الاستظلال بالخباء ، والقبة المضروبة والفسطاط والشجرة ، وأنْ يرميَ عليها ثوباً . وعن مالك منع إلقاء الثوب على الشجرة ، وأجازه عبد الملك بن الماجشون قياساً على الخيمة ، وهو الأظهر . .
واعلم : أن الاستظلال بالثوب على العصا عندهم إذا فعله وهو سائر لا خلاف في منعه ، ولزوم الفدية فيه ، وإن فعله وهو نازل ففيه خلاف عندهم أشرنا له قريباً . والحق : الجواز مطلقاً للحديث المذكور ، لأن ما ثبتت فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز العدول عنه إلى رأي مجتهد من المجتهدين ، ولو بلغ ما بلغ من العالم والعدالة ، لأن سنته صلى الله عليه وسلم حجة على كل أحد ، وليس قول أحد حجة على سنته صلى الله عليه وسلم ، وقد صح على الأئمة الأربعة رحمهم الله أنهم كلهم قالوا : إذا وجدتم قولي يخالف كتاباً أو سنة ، فاضربوا بقولي الحائط ، واتبعوا الكتاب والسنة . وقد قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه : وحدَّثَنِي سلمة بن شبيب ، حدثنا الحسن بن أعين حدثنا معقل ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن يحيى بن حصين ، عن جدته أم الحصين قال : سمعتها تقول : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف ، وهو على راحلته ، ومعه بلال ، وأسامة أحدهما يقود به راحلته ، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس . الحديث . وفي لفظ لمسلم ، عن أم الحصين : فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النَّبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر رافع ثوبه ، يستره من الحر ، حتى رمى جمرة العقبة . انتهى محل الغرض من صحيح مسلم ، وهو نص صحيح صريح في جواز استظلال المحرم الراكب بثوب مرفوع فوقه يقيه حر الشمس . والنازل أحرى بهذا الحكم ، عند المالكية من الراكب ، وهذا الحديث الصحيح المرفوع لا يعارض بما روي من فعل عمر . وقول ابنه عبد الله رضي الله عنهما ، موقوفاً عليهما ولا بحديث جابر الضعيف في منع استظلال المحرم ، والعلم عند الله تعالى . ويجوز عند المالكية : حمل المُحرم زاده على رأسه في خرج أو جراب إن كان فقيراً تدعوه الحاجة إلى ذلك ، أما إن كان ذلك لبخله بأجرة الحمل ، وهو غني ، أو لأجل تجارة بالمحمول ، فلا يجوز ، وتلزم به الفدية عندهم ، ويجوز عندهم إبدال ثوبه الذي أحرم فيه بثوب آخر ، ويجوز عندهم بيعه ، ولو قصد بذلك الاستراحة من الهوام التي فيه ، إلا أن ينقل الهوام من جسده ، أو ثوبه الذي عليه إلى الثوب الذي يريد طرحه فيكون ذلك كطرحه لها . قاله صاحب الطراز ، ويكره للمحرم عند المالكية غسل ثوبه الذي أحرم فيه ، إلا لنجاسة فيه ، فيجوز غسله بالماء فقط ، وقال بعضهم : يجوز غسله بالماء أيضاً ، لأجل الوسخ ، فلا يختص الجواز بالنجاسة ، لأن الوسخ مبيح لغسله بالماء على هذا القول ، ولا يجوز للمحرم عندهم أن يغسل ثوب غيره خوف أن يقتل بغسله إياه بعض الدواب التي في الثوب . وقال بعضهم : فإن فعل افتدى . والظّاهر أن محل ذلك ، فيما إذا لم يعلم أن الثوب ليس فيه شيء من الدواب ، فإن علم ذلك ، فلا بأس بغسله ، ولا شيء فيه إن كان ذلك لنجاسة أو وسخ والله تعالى أعلم . ويجوز عندهم : أن يعصب المحرم على جرحه خرقاً وتلزمه الفدية بذلك . وقال التونسي : وفي المدونة : صغير خرق التعصيب والربط ككبيرها ، وروى محمد : رقعة قدر الدرهم كبيرة فيها الفدية ، وظاهر قول خليل في مختصره المالكي : أو لصق خرقة كدرهم : أن الخرقة التي هي أصغر من الدرهم ، لا شيء فيها . وقال شارحه الحطاب : انظر إذا كان به جروح متعددة ، والصق على كل واحد منها خرقة ، دون الدرهم والمجموع كدرهم ، أو أكثر . وظاهر ما في التوضيح ، وابن الحاجب : أنه لا شيء عليه . انتهى . وسمع ابن القاسم : لا بأس ، ولا فدية في جعل فرجه في خرقة عند النوم فإن لفها على ذكره لبول ، أو مذي افتدى . انتهى بواسطة نقل المواق . ولا يجوز للمحرم عندهم : أن يجعل القطن في أذنيه ، فإن فعل افتدى ، لأن كشف الأذن واجب في الإحرام ، فلا يجوز تغطيتها بالقطن ، وكذلك لو جعل على صدغه قرطاساً تلزمه الفدية عندهم ، سواء كان ذلك لعذر أو لغير عذر ، ولا يجوز عندهم عصب رأسه بعصابة ، فإن فعل افتدى . ويكره عندهم لبس المصبوغ بغير طيب ، لمن يقتدي به خاصة دون غيره ، إذا كان لون الصبغ يشبه لون صبغ الطيب : ويكره عندهم شد نفقته بعضده أو فخذه أو ساقه ، ولا فدية عليه في ذلك ، وإن شد عضده ، أو ساقه ، أو فخذه بما يحيط به لغير نفقة أو لنفقة غيره افتدى . وإن شد نفقته ، وجعل معها نفقة لغيره فلا بأس ، فإن فرغت نفقته ألقى المنطقة ونحوها مما كان يشده لحفظها ورد نفقة غيره إلى ربها فوراً ، وإن ترك ردها إليه افتدى ، وإن ذهب صاحبها ، وهو عالم افتدى ، وإن لم يعلم فلا شيء عليه . انتهى من المواق . ويكره عند المالكية : كب المحرم وجهه على الوسادة ، وبعضهم يقول : بكراهة ذلك مطلقاً للمحرم وغيره . وهو الأظهر ، ويكره عندهم غمس رأسه في الماء ، وإن فعل ذلك أطعم شيئاً ، قاله مالك في المدونة ونقلناه بواسطة نقل المواق والحطاب ، وعن بعضهم : أن إطعام الشيء ، المذكور مستحب لا واجب ، وهذا في حق من له شعر يكون فيه القمل . أما من لا شعر له ، ولا يكون فيه القمل فلا يكره غمس رأسه في الماء ، ولا شيء فيه قاله اللخمي ، وصاحب الطراز . انتهى بواسطة نقل الحطاب . وغسل الرأس لجنابة : لا خلاف فيه . أما غسله لغير جنابة بل للتَّبرُّد ونحوه : ففيه عندهم قولان : بالجواز ، والكراهة والجواز : أظهر . والله تعالى أعلم . .
ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أنه إن لبس اللبس الحرام ، ويدخل فيه تغطية الرأس كما تقدم لا يلزمه بذلك دم ، إلا إذا لبسه يوماً كاملاً لأن اليوم الكامل مظنة الانتفاع باللبس ، من حر أو برد ، وعن أبي يوسف : أنه إذا لبس أكثر من نصف يوم ، فعليه دم وهو قول أبي حنيفة الأول ، عن محمد : أنه إن لبسه في بعض اليوم يجب عليه من الدم بحسابه ا ه . هذا هو حاصل مذهب أبي حنيفة وصاحبيه في هذه المسألة . .
وقد قدمنا مراراً أن مثل ذلك إن كان فعله لعذر ففيه عندهم فدية الأذى ، وإن كان لغير عذر ، ففيه الدم ، والعلم عند الله تعالى . .
والظّاهر : أن اختلافهم في القدر الذي تلزم به الفدية في اللبس الحرام من نوع الاختلاف في تحقيق المناط والله تعالى أعلم . ولو ارتدى بالقميص أو اتشح به ، أو اتزر بالسراويل ، فلا بأس ، ولا يلزمه شيء عند الحنفية كما قدمنا عن غيرهم ، وكذلك لو أدخل منكبيه في القباء ، ولم يدخل يديه في الكمين ، فلا شيء عليه عندهم خلافاً لزفر وقد بيَّنَّا حُكمْ ذلك عند غيرهم وعن أبي حنيفة : تغطية ربع الرأس كتغطية جميعه ، وعن أبي يوسف : أنه يعتبر في ذلك الأكثر ودوام لبس المخيط عندهم بعد الإحرام كابتدائه ، وهو كذلك عند غيرهم أيضاً . .
واعلم أن النووي قال في شرح المهذب : وله يعني : المحرم أن يتقلد المصحف وحمائل السيف وأن يشد الهميان والمنطقة في وسطه ، ويلبس الخاتم ، ولا خلاف في جواز هذا كله ، وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان مذهبنا وبه قال العلماء كافة إلا ابن عمر في أصح الروايتين عنه ، فكرههما وبه قال نافع مولاه . وقد علمت أنا ناقشناه في كلامه وبينَّا : أن مالكاً وأصحابه لا يجيزون شد المنطقة والهميان ، إلا تحت الإزار مباشراً جلده لخصوص النفقة ، وأن شد الهميان فوق الإزار فيه عندهم الفدية مطلقاً ، وكذلك تحت الإزار لغير حفظ النفقة ، وأن الإمام أحمد تلزم عنده الفدية في شد المنطقة لغير حفظ النفقة : أي ولو كان لوجع بظهره ، وسنتمم الكلام هنا . أما ما ذكره من أن لبس الخاتم لا خلاف في جوازه للمحرم ، ففيه نظر أيضاً ، لأن بعض العلماء يقول : يمنع لبس المحرم الخاتم والخلاف في جواز لبسه ومنعه معروف في مذهب مالك . .
قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره : مشبهاً على ما لا يجوز لبسه للمحرم كخاتم ما نصه : قال ابن الحاجب : وفي الخاتم قولان ، فحملهما في التوضيح على الجواز والمنع . وقال اللخمي وابن رشد : المعروف من قول مالك : منعه ، لأنه أشبه بالإحاطة بالإصبع المحيط ، وفي مختصر ما ليس في المختصر : لا بأس به . إلى أن قال : فالذي يظهر أن القائل بالمنع يقول : بالفدية ، والقائل بالجواز يقول : بسقوط الفدية . انتهى منه . .
ثم قال : تنبيه : وهذا في حق الرجل ، وأما المرأة فيجوز لها لبس الخاتم ا ه . .
وبما ذكرنا تعلم أن قول النووي ، ولا خلاف في جواز هذا كله . فيه نظر ، وأما تقلد حمائل السيف فعند المالكية ، إن كان لعذر يلجئه إلى ذلك ، فهو جائز له ، ولا فدية فيه ، فإن تقلده لغير حاجة فقد قال ابن المواق عن مالك : ينزعه ولا فدية عليه انتهى بواسطة نقل المواق في كلامه على قول خليل في مختصره ، ولا فدية في سيف ، ولو بلا عذر ا ه . وظاهر قوله : ينزعه أنه لا يجوز تقلد السيف اختياراً عنده كما ترى ، والعلم عند الله تعالى . وظاهر مذهب الإمام أحمد : أنه لا يجوز للمحرم ، أن يتقلد السيف إلا لضرورة ، وقال الخرقي : ويتقلد بالسيف عند الضرورة ، وقال في المغني في شرحه لكلام الخرقي : فأما من غير خوف ، فإن أحمد قال : لا إلا من ضرورة . انتهى محل الغرض منه . .
وقال البخاري في صحيحه في كتاب الحج : باب لبس السلاح للمحرم ، وقال عكرمة : إذا خشي العدو ، لبسَ السلاح وافتدى ولم يتابع عليه في الفدية . .
حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء رضي الله عنه ( اعتمر النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يَدَعُوه يدخل مكة ، حتى قَاضَاهُمْ لا يدخل مكة سلاحاً إلا في القراب ) ا ه منه . .
وقوله : ولم يتابع عليه في الفدية ، يدل على أنه توبع في لبس السلاح للضرورة ، لأن معنى قاضاهم : لا يدخل مكة سلاحاً إلا في القراب ، أنه صالح كفار مكة صلح الحديبية ، أنه إن دخل معتمراً عام سبع في ذي القعدة لا يدخل مكة السيوف إلا في أغمادها ، والقراب غمد السيف ، فدل ذلك على جواز دخول المحرم متقلداً سيفه للخوف من العدو . .
وقال البخاري في صحيحه في باب عمرة القضاء : حدثني عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال ( لما اعتَمَرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة ، حتى قضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيَّام ) الحديث بطوله ، وفيه ( فكتب هذا ما قَاضَى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب ) الحديث . وفي لفظ للبخاري في كتاب الصلح ( لا يدخُلُ مكة سلاحٌ إلا في القراب ) وفي لفظ له في كتاب الصلح أيضاً ( ولا يدخلها إلا بجُلُبان السلاح ) فسألوه ما جُلُبَّان السلاح ؟ فقال : القِراب بما فيه ) والجلبان بضم الجيم واللام وتشديد الباء الموحدة بعدها ألف ، ثم نون : هو قِراب السيف ويطلق على أوعية السلاح ، ويروى بتسكين اللام ، وتخفيف الباء ، وهو شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغموداً . .
وقال صاحب اللسان : والقِراب غمد السيف والسكين ، ونحوهما وجمعه قُرب أي بضمتين ، وفي صحاح الجوهري : قراب السيف : جفنه وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده ، وحمالته ا ه والقراب ككتاب ومن جمعه على قُرب بضمتين قوله : وقال صاحب اللسان : والقِراب غمد السيف والسكين ، ونحوهما وجمعه قُرب أي بضمتين ، وفي صحاح الجوهري : قراب السيف : جفنه وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده ، وحمالته ا ه والقراب ككتاب ومن جمعه على قُرب بضمتين قوله : % ( يا ربةَ البيت قومي غير صاغرة % ضُمي إليك رحالَ القومِ والقُربَا ) % .
يعني : ضمي إليك رحالهم وسلاحهم ، في أوعيته . .
وبهذه الأحاديث : استدل بعض أهل العلم على أن الصحابة دخلوا مكة محرمين عام سبع وهم متقلدو سيوفهم في أغمادها ، وأن ذلك لعلة خوفهم من المشركين ، لأن الكفار لا يوثق بعهودهم . .
وقد علمت أن بعض أهل العلم قال : إن ذلك لا يجوز إلا لضرورة ، والله تعالى أعلم . .
وللمخالف أن يقول : إن الأحاديث المذكورة ليس فيها التصريح بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تقلدوها . ويمكن أن يكونوا حملوا السلاح معهم في رحالهم في أوعيته من غير أن يتقلدوه ، وعلى هذا الاحتمال ، فلا حجة في الأحاديث على تقلد المحرم حمائل السيف ، والعلم عند الله تعالى . .
الفرع الخامس عشر : قد بينا في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه أنه يمنع من الطيب ، وسنذكر إن شاء الله في هذا الفرع ما يلزم في ذلك . .
اعلم : أن الأئمة الثلاثة : مالكاً ، والشافعي ، وأحمد : لا فرق عندهم ، بين أن يطيِّب جسده كله أو عضواً منه ، أو أقل من عضو ، فكل ذلك عندهم إن فعله قصداً يأثم به ، وتلزمه الفدية . .
وقال أبو حنيفة : لا تجب عليه الفدية إلا إذا طيب عضواً كاملاً ، مثل الرأس ، والفخذ ، والساق : فإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة ، وهي عندهم نصف صاعٍ من بُرٍّ أو صاع من غيره ، كتمر وشعير . وقد قدمنا مراراً أن مذهب أبي حنيفة : أنه إن فعل المحظور ، كاللباس ، والتطيب ، لا لعذر ، فعليه دم ، وتُجزِئُه شاة وإن فعله لعذر فعليه فدية الأذى المذكورة في آية الفدية ، على التخيير ، وإن كان المحرم طيباً كثيراً : لزمه الدم عند أبي حنيفة ، وقال صاحباه محمد وأبو يوسف : تجب في ذلك الصدقة ، وعن محمد : أنه إن طيب أقل من عضوٍ لزمه بحسبه من الدم فإن طيب ثلث العضو ، فعليه ثلث دم مثلاً ، وهكذا ، وعن بعض الحنفية : أنه إن طيب ربع عضوٍ : لزمه الدم كاملاً كحلق ربع الرأس ، فهو عندهم كحلق جميعه وهذا خلاف المشهور في تطيب بعض العضو عندهم . وظاهر كلامهم أنه لو جعل طيباً كثيراً على بعض عضو ، فليس عليه إلا الصدقة . وصحح بعض الحنفية : أنه إن كان الطيب قليلاً فالعبرة بالعضو ، وإن كان كثيراً فالعبرة بالطيب ، وله وجه من النَّظر ، وعن بعض الحنفية أن من مس طيباً بأصبعه ، فأصابها كلها فعليه دم . وعن أبي يوسف : إنْ طيَّبَ شاربَه كله أو يقدره من لحيته ، أو رأسه فعليه دم ، وعن بعض الحنفية : أنه إن اكتحل بكحل مطيب ، فعليه صدقة ، ومثله الأنف ، فإن فعل ذلك مراراً كثيرة فعليه دم ، وفي مناسك الكرماني : لو طيب جميع أعضائه فعليه دم واحد ، لاتحاد الجنس ، ولو كان الطيب في أعضاء متفرقة يجمع ذلك كله ، فإن بلغ عضواً : فعليه دم ، وإلا فصدقة ، ولو شم طيباً فليس عليه شيء ، وإن دخل بيتاً مجمراً ، فليس عليه شيء ، وإن أجمر ثوبه ، فإن تعلق به كثيراً ، فعليه دم ، وإلا فصدقة ا ه من تبيين الحقائق . .
وقال بعض الحنفية : إن طيب أعضاءه كلها في مجلس واحد فعليه دم واحد كما تقدم ، وإن كان ذلك في مجلسين مختلفين ، فعليه لكل واحد دم في قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، سواء ذبح للأول أو لم يذبح . وقال محمد : إن ذبح للأول ، فكذلك ، وإن لم يذبح فعليه دم واحد ، والاختلاف فيه كاختلاف في الجماع ا ه . .
وأظهرها عندي قول محمد : والحناء عندهم طيب ، فلو خضب رأسه بالحناء ، لزمه الدم . واستدلوا بحديث الحناء طيب . قالوا رواه البيهقي . وسيأتي ما يدل على أن البيهقي رواه في المعرفة ، وفي إسناده ابن لهيعة ، وهو ضعيف . وقد روى البيهقي عن عائشة مرفوعاً ، ما يدل على أن الحناء ليس بطيب ، والعلم عند الله تعالى : هذا حاصل مذهب أبي حنيفة وأصحابه في الطيب للمحرم . .
وأما مذهب مالك في الطيب للمُحرم فحاصله : أن الطيب عندهم نوعان : مذكر ومؤنث ، أما المذكر فهو ما يظهر ريحه ، ويخفى أثره : كالريحان ، والياسمين ، والورد ، والبنفسج ونحو ذلك . وأما المؤنث : فهو ما يظهر ريحه ، ويبقى أثره : كالمسك والورس والزعفران والكافور والعنبر والعود ونحو ذلك . فأما المذكر فيكره شمه والتطيب به ، ولا فدية في مسه ، والتطيب به ولو غسل يديه بماء الورد ، فلا فدية عليه عندهم في ذلك ، لأنه من الطيب المذكر ، خلافاً لابن فرحون في مناسكه حيث قال : إن ماء الورد فيه الفدية لأن أثره يبقى ، وممن قال : بأن الطيب المذكر لا فدية في استعماله : عثمان بن عفان ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحاق . وأما ما ينبت في الأرض من النبات الطيب الريح ولا يقصد التطيب به ، كالشيح ، والقيصوم ، والزنجبيل ، والإذخر ، فلا فدية فيه عندهم ، فهو كريح الفواكه الطيبة كالتفاح والليمون ، والأترج وسائر الفواكه وبعض أهل العلم يكره شمه للمحرم ، وإن خضب رأسه أو لحيته بحناء ، أو خضبت المرأة رأسها أو رجليها ، أو طرفت أصابعها بحناء فالفدية عندهم واجبة في ذلك . وأما مؤنث الطيب : كالمسك ، والورس ، والزعفران ، فإن التطيب به عندهم حرام ، وفيه الفدية . .
ومعنى التطيب بالطيب عندهم : إلصاقه بالثوب ، أو باليد وغيرها من الأعضاء ، ونحو ذلك ، فإن علق به ريح الطيب دون عينه بجلوسه في حانوت عطار ، أو في بيت تجمر ساكنوه ، فلا فدية عليه عندهم مع كراهة تماديه في حانوت العطار أو البيت الذي تجمر ساكنوه ، هذا هو مشهور مذهب مالك . وإن مس الطيب المؤنث افتدى عندهم ، وحد ريحه أولاً ، لصق به أولاً ، ويكره شم الطيب عندهم مطلقاً . .
وأظهر أقوال علماء المالكية في الثوب المصبوغ بالورس ، والزعفران : إذا تقادم عهده ، وطال زمنه حتى ذهبت ريحه بالكلية : أنه مكروه للمحرم ، ما دام لون الصبغ باقياً ولكنه لا فدية فيه لانقطاع ريحه بالكلية . .
وأقيس الأقوال : أنه يجوز مطلقاً ، لأن الرائحة الطيبة التي منع من أجلها زالت بالكلية ، والعلم عند الله تعالى . وإن اكتحل عندهم بما فيه طيب ، فالفدية ، ولو لضرورة مع الجواز للضّرورة وبما لا طيب فيه فهو جائز للضّرورة ولغيرها ، فثلاثة أقوال مشهورها : وجوب الفدية على الرجل ، والمرأة معاً ، وقيل : لا تجب عليهما ، وقيل : تجب على المرأة دون الرجل . .
وحاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة : أن النبات الذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب : .
أحدها : ما لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه ، كنبات الصحراء من الشيخ ، والقيصوم ، والخزامي والفواكه كلها من الأترج ، والتفاح وغيره ، وما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب ، كالحناء والعصفر ، وهذا النوع مباح شمه في مذهب الإمام أحمد ، ولا فدية فيه . .
قال في المغني : ولا نعلم فيه خلافاً إلا ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم : أن يشُمَّ شَيئاً من نبات الأرض من الشيخ والقيصوم وغيرهما قال : ولا نعلم أحداً أوجب في ذلك شيئاً فإنه لا يقصد للطيب ، ولا يتخذ منه فأشبه سائر نبات الأرض . وقد روي أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كنَّ يحرمن في المعصفرات . .
النوع الثاني : ما ينبته الآدميون للطيب ، ولا يتخذ منه طيب ، كالريحان ، والنرجس ، ونحو ذلك وفي هذا النوع للحنابلة وجهان . .
أحدهما : يباح بغير فدية كالذي قبله . .
قال في المغني : وبه قال عثمان بن عفان ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحاق . .
والوجه الثاني : يحرم شمه ، فإن فعل فعليه الفدية . .
قال في المغني : وهو قول جابر ، وابن عمر ، والشافعي ، وأبي ثور ، لأنه يتخذ للطيب فأشبه الورد . وكرهه مالك ، وأصحاب الرأي ، ولم يوجبوا فيه شيئاً ، وكلام أحمد فيه محتمل لهذا ، فإنه قال في الريحان : ليس من آلة المحرم ، ولم يذكر فديته ، وذلك لأنه لا يتخذ منه طيب ، فأشبه العصفر . ا ه من المغني . .
والنوع الثالث عندهم : هو ما ينبت للطيب ، ويتخذ منه طيب كالورد والبنفسج والياسمين ، ونحو ذلك . وهذا النوع إذا استعمله ، وشمه ففيه : الفدية عندهم ، لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه ، فكذلك في أصله . وعن أحمد رواية أخرى في الورد : أنه لا فدية عليه في شمه ، لأنه زهر كزهر سائر الشجر . .
قال في المغني : وذكر أبو الخطاب في هذا ، والذي قبله روايتين والأولى : تحريمه ، لأنه ينبت للطيب ، ويتخذ منه ، فأشبه الزعفران والعنبر . قال القاضي يقال : إن العنبر ثمر شجر وكذلك الكافور . ا ه من المغني . .
وفي المغني أيضاً : وإن مس من الطيب ما يعلق بيده كالغالية ، وماء الورد والمسك المسحوق الذي يعلق بأصابعه فعليه الفدية ، لأنه مستعمل للطيب ، وإن مس ما لا يعلق بيده كالمسك غير المسحوق ، وقطع الكافور والعنبر ، فلا فدية لأنه غير مستعمل للطيب ، فإنه شمه فعليه الفدية لأنه يستعمل هكذا ، وإن شم العود ، فلا فدية عليه لأنه لا يتطيب به هكذا ا ه من المغني . .
وقال في المغني أيضاً : فكل ما صبغ بزعفران ، أو ورس ، أو غمس في ماء ورد ، أو بخر بعود ، فليس للمحرم لبسه ولا الجلوس عليه ، ولا النوم عليه نص أحمد عليه ، وذلك لأنه استعمال له ، فأشبه لبسه ، ومتى لبسه أو استعمله ، فعليه الفدية . وبذلك قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة : إن كان رطباً يلي بدنه أو يابساً ينفض فعليه الفدية ، وإلاَّ فلا ،