@ 176 @ .
الثالث : أنه قول أكثر أهل العلم . وقال جماعة من أهل العلم : يستحب أن يكون الهدي معه من بلده ، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من مكة ، ثم من مكة ، ثم من عرفات ، فإن لم يسقه أصلاً بل اشتراه من منى جاز ، وحصل الهدي ا ه . .
وهذا هو الظاهر واحتج من قال : بأنه لا بد أن يجمع بين الحل والحرم ، بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يهد هدياً إلا جامعاً بين الحل والحرم ، لأنه يساق من الحل إلى الحرم وأن ذلك هو ظاهر قوله تعالى : { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ } . وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره : أن ابن عمر اشترى هديه من الطريق ، ونحو ذلك من الأدلة ، ولا شك أن سوق الهدي من الحل إلى الحرم : أفضل ولا يقل عن درجة الاستحباب ، كما ذكرنا عن بعض أهل العلم . أما كونه لا يجزىء بدون ذلك ، فإنه يحتاج إلى دليل خاص ، ولا دليل يجب الرجوع إليه يقتضي ذلك ، لأن الذي دل عليه الشرع أن المقصود التقرب إلى الله بما رزقهم من بهيمة الأنعام ، في مكان معين في زمن معين والغرض المقصود شرعاً حاصل ، ولو لم يجمع الهدي بين حل وحرم ، وجمع هديه صلى الله عليه وسلم بين الحل والحرم ، محتمل للأمر الجبلي ، فلا يتمحض لقصد التشريع ، لأن تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده ، ولأن الإبل التي قدم بها علي من اليمن تيسر له وجودها هناك ، والله جل وعلا أعلم . فحصول الهدي في الحل يشبه الوصف الطردي ، لأنه لم يتضمن مصلحة كما ترى ، والعلم عند الله تعالى . .
ولا خلاف بين أهل العلم : في أن المهدي إن اضطر لركوب البدنة المهداة في الطريق ، أن له أن يركبها لما ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال : اركبها . قال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها بدنة ، فقال : اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة ) هذا لفظ مسلم ، ولفظ البخاري فقال ( اركبها فقال : إنها بدنة فقال : اركبها ، قال : إنها بدنة فقال : اركبها ، ويلك في الثانية أو في الثالثة ) وروى مسلم نحوه عن أنس ، وجابر رضي الله عنهما . .
واعلم : أن أهل العلم اختلفوا في ركوب الهدي ، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز للضرورة دون غيرها ، وهو مذهب الشافعي ، قال النووي : وبه قال ابن المنذر ، وهو رواية عن مالك ، وقال عروة بن الزبير ، ومالك ، وأحمد وإسحاق : له ركوبه من غير حاجة ، بحيث لا يضره . وبه قال أهل الظاهر ، وقال أبو حنيفة : لا يركبه ، إلا إن لم يجد منه بداً ، وحكى القاضي عن بعض العلماء : أنه أوجب ركوبها لمطلق الأمر ولمخالفة ما كانت