@ 250 @ أن عائشة رضي اللَّه عنها ، كانت تقول : لما نزلت هذه الآية { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } ، أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي ، فاختمرن بها ، انتهى من صحيح البخاري . وقال ابن حجر في ( الفتح ) ، في شرح هذا الحديث : قوله : فاختمرن ، أي غطّين وجوههن ، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر ، وهو التقنّع . قال الفراء : كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار . انتهى محل الغرض من ( فتح الباري ) . وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيّات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } ، يقتضي ستر وجوههن ، وأنهن شققن أزرهن فاختمرن ، أي : سترن وجوههن بها امتثالاً لأمر اللَّه في قوله تعالى : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } ، المقتضي ستر وجوههن ، وبهذا يتحقّق المنصف : أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنّة الصحيحة المفسّرة لكتاب اللَّه تعالى ، وقد أثنت عائشة رضي اللَّه عنها على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر اللَّه في كتابه ، ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } ، إلا من النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن ، واللَّه جلَّ وعلا يقول : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } ، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن . وقال ابن حجر في ( فتح الباري ) : ولابن أبي حاتم من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم ، عن صفية ما يوضح ذلك ، ولفظه : ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن ، فقالت : إن لنساء قريش لفضلاً ، ولكن واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشدّ تصديقًا بكتاب اللَّه ، ولا إيمانًا بالتنزيل ، ولقد أنزلت سورة ( النور ) : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } ، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها ، ما منهنّ امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رءُوسهن الغربان ، انتهى محل الغرض من ( فتح الباري ) . ومعنى معتجرات : مختمرات ، كما جاء موضحًا في رواية البخاري المذكورة آنفًا ، فترى عائشة رضي اللَّه عنها مع علمها وفهمها وتقاها ، أثنت عليهن هذا الثناء العظيم ، وصرّحت بأنها ما رأت أشدّ منهن تصديقًا بكتاب اللَّه ، ولا إيمانًا بالتنزيل ، وهو دليل واضح على أن فهمهنّ لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } ، من تصديقهن بكتاب اللَّه وإيمانهن بتنزيله ، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب اللَّه وإيمان بتنزيله ، كما ترى .