علامات الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها كما قال علي بن أبي طالب Bه من زهد الدنيا هانت عليه المصيبات والثالث أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق وهذه من علامات الزهد في الدنيا واحتقارها وقلة الرغبة فيها فإن من عظمت الدنيا عنده اختار المدح وكره الذم فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم وعلى فعل كثير من الباطل رجاء المدح فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه وامتلائه من محبة الحق وما فيه رضا مولاه كما قال ابن مسعود Bه اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم وقد روي عن السلف عبارات أخر في تفسير الزهد في الدنيا وكلها ترجع إلى ما تقدم كقول الحسن الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال هو أفضل مني وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها ولهذا يقال الزاهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا والترفع فيها على الناس فهو الزاهد حقا وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق وكقول وهب بن الورد C والزهد في الدنيا أن لا تأس على ما فات منها ولا تفرح بما آتاك منها قال ابن السماك C هذا هو الزاهد المبرز في زهده وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إقبالها وإدبارها وزيادتها ونقصها وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق وسئل بعضهم أظنه الإمام أحمد عمن معه مال هل يكون زاهدا قال إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه فهو زاهد أو كما قال وسئل الزهري عن الزاهد فقال من لم يغلب الحرام صبره ولم يشغل الحلال شكره وهذا قريب مما قبله فإن معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر منها على حرام صبر عنه فلم يأخذه وإذا حصل له منها حلال لم يشغله عن الشكر بل قام بشكر الله عليه وقال أحمد بن الحواري C قلت لسفيان بن عيينة من الزاهد في الدنيا قال من إذا أنعم عليه شكر وإذا ابتلي صبر وفقلت يا أبا محمد الذي قد أنعم عليه فشكر وإذا ابتلي فصبر وحبس النعمة كيف يكون زاهدا فقال اسكت من لم تمنعه النعماء من الشكر ولا البلوى من الصبر فذلك الزاهد وقال ربيعة رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها ووضعها في حقها وقال سفيان الثوري C الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباء وقال وكان من دعائهم اللهم زهدنا في الدنيا ووسع علينا منها ولا تردها عنا فترغبنا فيها ولهذا قال الإمام أحمد الزهد في الدنيا قصر الأمل وقال مرة قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبة الله ولقائه والخروج من الدنيا وطول الأمل يقتضي محبة البقاء فيها فمن قصر أمله فقد كره البقاء في الدنيا وهذا نهاية الزهد فيها والإعراض عنها واستدل ابن عيينة لهذا بقوله تعالى قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين إلى قوله ولتجدنهم أحرص الناس على حياة لبقرة الآية وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن مزاحم قال أتى النبي A رجل فقال يا رسول الله من أزهد الناس