- روى البخاري وغيره مرفوعا : [ [ ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ] ] يعني يضفر الخوض كما في رواية .
وروى ابن ماجه مرفوعا : [ [ ما كسب الرجل كسبا أطيب من عمل يده وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة ] ] .
وروى الإمام أحمد والبزار والطبراني : [ [ أن رسول الله A سئل عن أفضل الكسب ؟ فقال بيع مبرور وعمل الرجل بيده ] ] .
وروى الطبراني ورجاله رجال الصحيح والبيهقي مرفوعا : [ [ إن الله تعالى يحب المؤمن المحترف ] ] .
وفي رواية له أيضا عن كعب بن عجرة قال : [ [ مر على النبي A رجل فرأى أصحاب رسول الله A من جلده ونشاطه فقالوا : يا رسول الله لو كان هذا سبيل الله فقال رسول الله A : إن كان خرج يسعى على ولدة صغار فهو في سبيل الله وإن كان خرج على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان ] ] .
وروى الطبراني مرفوعا : [ [ من أمسى كالا من عمل يده أمسى مفغورا له ] ] .
وروى الأصبهاني وغيره مرفوعا : [ [ نعم لهو المرأة مغزلها ] ] .
والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نرغب إخواننا الذين لم يكثروا التعبد بعلم ولا غيره في التكسب بالبيع والشراء والزراعات وكل عمل يساعدهم على القوت بطريقه الشرعي على وجه الإخلاص لا على وجه التكاثر والمفاخرة بمطاعم الدنيا وملابسها وشهواتها فإن من اكتسب الدنيا على وجه التكاثر والتفاخر فمن لازمه تعدى الحدود الشرعية في الحل لأن الحلال في كل زمان لا يتحمل الإسراف .
وقد زار الحسن البصري أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز فأخرج له عمر كسرة يابسة ونصف خيارة وقال : كل يا حسن فإن هذا الزمان لا يتحمل الحلال فيه الإسراف اه فلا ترى أحدا في سعة من الدنيا إلا وهو قليل الورع فيغش وينصب ويبيع على المكاسين وأكلة الرشا وغيرهم وأما إن طلب التوسع في الدنيا بغير طريق التكسب الشرعي وأقبل على العبادة فربما أكل بدينه ووقع في الرياء والنفاق لمن يحسن إليه وإن لم يكن مقبلا على العبادة سلق الناس بألسنة حداد إذا لم يعطوه ما طلب فالتكسب الشرعي أولى بكل حال .
وقد ورد أن الله تعالى علم آدم عليه السلام ألف حرفة وقال له يا آدم قل لبنيك يكتسبون بهذه الحرف ولا يأكلون بدينهم .
وقد سمعت سيدي عليا الخواص C يقول : قد تغير التكسب اليوم على كل فقير وفقيه لعدم من يتفقدهم بالبر والإحسان في هذا الزمان لقلة المكاسب فقد صار التاجر اليوم يمكث الثلاثة أيام أو أكثر لا يستفتح فكيف يفتقد غيره وهو لم يعمل بقوت نفسه وعياله وضيوفه فضلا عن المغارم التي عليه من كراء بيت وحانوت وعوائد للظلمة من غفراء ورسل محتسب ومشد التراب ومشد الفلوس والذهب في الأسواق فالتاجر في أغلب أيامه ينفق من رأس ماله أو مال غيره الذي هو عامل فيه ومثل هذا لا يطالب أن يفتقد فقيرا ولا فقيها لا سيما إن كان الفقير أو الفقيه غير مخلص في علمه وعبادته وأما الفلاح فهو طول سنته في شقاء وتعب وكلف لقصاد الكشاف والعمال والعرب والعشير وأتباعهم فلا يزال يقدم لهؤلاء كلما كان عنده من لبن وسمن ودجاج وغنم حتى أنه يبيع غزل امرأته لهم ثم آخر السنة يحملونه عاطل البلد زيادة على خراجه وربما رسموا على زرعه في الجرن فيطلب لأولاده منه طحينا فلا يمكنوه من ذلك فيا ليتهم جعلوه كغلمان الأمين الذين لهم عادة ومعلوم أن القرى هي مادة الأمصار فجميع ما في الأمصار إنما يحمل من القرى فوالله لقد صارت الرعية اليوم بأعمالهم السيئة كأنهم في صحراء من نار أو كسمك كان في بركة فنزل عنه الماء فصارت الكلاب والجوارح تفسخه بالنهار والذئاب والثعالب تفسخه بالليل وما بقي يرجى عود الماء في البركة الذي هو كناية عن الرحمة لينغمر فيه السمك ولا يعرف ما قلناه إلا الذين يلزمون بما لا يلزم ممن تقدم ذكرهم من السوقة والفلاحين .
وسمعت سيدي عليا الخواص يقول : غالب أهل النعم لا تعرف مقدارها إلا بالتحول كما حكي أن عبدا كان سيده يكرمه ويلبسه الثياب الحسنة ويأكل معه على السماط فتنكر عليه سيده يوما ونقمه فقال بعني في سوق السلطان فاشتراه إنسان حاله أضيق من سيده فخلع عنه ثيابه وألبسه خليقات وصار يطعمه من فضلة السماط فقال سوق السلطان فاشتراه إنسان حاله أضيق من الثاني فصار يأكل الدقيق ويطعمه النخالة فقال سوق السلطان فاشتراه إنسان يأكل النخالة ويجوعه فقال سوق السلطان فاشتراه إنسان يجوع ويجوع العبد معه واحتاج في ليلة إلى منارة يضع عليها المسرجة فما وجد شيئا فأجلسه ووضع المسرجة على رأسه إلى بكرة النهار فقال سوق السلطان فوجده فقير وهو خارج إلى السوق ممن كان يعرف حاله الأول فذكر له قصته مع هؤلاء الذين اشتروه فقال له : إن سمعت مني رددتك إلى سيدك الأول فقال : وماذا أصنع قال تعترف له بالنعمة فاعترف فرجع فاشتراه سيده الأول فما عرف هذا العبد مقدار النعمة إلا بتحويلها لا سيما من فتح عينه على النعمة من غير اكتساب كالجالسين في مثل جامع الأزهر أو الزوايا التي لها خبز وجوامك وليس عليهم مغارم فإن هؤلاء لا يعرفون ما الخلق فيه وربما بطر أحدهم النعمة التي هو فيها حتى صار يرد على الخادم والنقيب الخبز اليابس فحول الله عنه النعمة ثم إنه يريد استرجاعها فلا يتيسر له ذلك أبدا .
وقد رأى رسول الله A كسرة يابسة في بيت عائشة Bها تحت حائط وقد علاها الغبار فأخذها A ونفخ التراب عنها ثم أكلها وقال : [ [ يا عائشة أحسني مجاورة نعم الله D فإن النعمة قل ما نفرت عن أهل بيت فكادت ترجع إليهم ] ] .
وفي القرآن العظيم : { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } ففهمنا من هذه الآية أن النعم لا تتحول عن صاحبها وهو شاكر لله تعالى أبدا .
وقد أخبرنا الشيخ عبدالحليم بن مصلح ببلاد المنزلة C تعالى قال : ربيت جماعة من الفقراء في الزاوية حتى زوجتهم وكانوا يخدمون وأزواجهم في الزاوية فتركوا ذلك تكبرا فنقص رزقهم عما كان ثم إنهم طلبوا أن يعملوا لهم صنائع فنقص الرزق عما كان ثم أنهم تركوا الجلوس على السماط مع الفقراء والمساكين والعميان وصاروا يأخذون خبزهم وطعامهم منفردين متكبرين فنقص الرزق عما كان ثم اختصروا الأسباع التي رتبت عليهم فيها كل يوم خمسة أحزاب وجعلوها حزبين وبعضهم جعلها ثلاثة واختصر المؤذنون نوب الأذان في الخمسة الأوقات إلى وقتين أو ثلاثة فنقص رزق المؤذنين وقراء الأسباع بقدر ما نقصوا وتعطل بعض الخراج عما كان ثم إنهم امتنعوا من خدمة بعضهم بعضا فصاروا لا يسافرون ليأتوا بالقمح والحطب مثلا إلا بعوض بعد أن كانوا يسافرون طلبا للأجر والثواب فنقص الرزق عما كان ثم إنهم امتنعوا عن السفر بالأجرة أيضا حين صار معهم بعض فلوس حصلوها من جوامكهم وأظهروا الغنى عن مثل ذلك فنقص الرزق عما كان ثم إنهم منعوا زوجاتهم عن غربلة القمح ترفها فنقص الرزق عما كان ثم إنهم منعوهن من العجين فنقص الرزق عما كان ثم إنهم طلبوا تخفيف عدد المجاورين فطلبوا التخصيص بتفرقة الجبن والعسل وغير ذلك عليهم وحدهم دون غيرهم فنقص الرزق عما كان اه .
قلت : وقد ربيت أنا جماعة فكانوا في أرغد عيش فتحركت نفسهم لمحبة الدنيا فنقص رزقهم عما كان وكفروا بواسطتي لهم في الرزق فقلت لهم : إن الله تعالى كما جعل مفاتيح رزقكم بيدي كذلك ربما يجعل المنع بيدي عقوبة لكم فلم يسمعوا فما مكثت نحو شهر حتى وقع التفتيش في الأوقاف والرزق فخرجت جباة الزاوية كلها للسلطان فمنعوا يدنا عن استخراجها حتى يعرضوا فيها للسلطان ببلاد الروم فهي معطلة إلى الآن .
قلت : وقد وعدني رسول الله A ليلة الجمعة العشرين من شهر صفر سنة ثمان وخمسين وتسعمائة بعودها إلى الزاوية إن تابوا ودخلوا في الأدب والتربية حتى يرجعوا عن جميع ما وقعوا فيه من أسباب تنقيص الرزق اه . ولو أنهم سمعوا لشيخهم فيما يأمرهم به من الهدى ما تغير عليهم حال فإنه كرئيس المركب وكم غرقت مركب قال الرئيس للنوتية اطووا القلع في هذا الريح أو أرخوا حبل الراجع فلم يفعلوا فغرقت فالله تعالى يلهم جميع الإخوان سماع نصيحتي وعدم مخالفتي حتى لا يندموا حيث لا ينفعهم الندم فيطلبوا رجوع رزقهم إليهم كما كان فلا يصح لهم ويطلبوا عمل الحرف من النجارة والحدادة وخياطة النعال مثلا فلا يصبرون ويطلبون الرجوع إلى عبادة الله كما كانوا فلا يقدرون فيهلكون ثم لا يهونون علي كما لا يهون على الوالد ضرر الولد العاق له ثم أقل ما يمكث الإنسان في عمل الحرفة التي يأخذ منها الخبز والأدم من أول النهار إلى بعد العصر وربما كانت تلك الأجرة لا تكفيه ولذلك ينبغي للفقير القاطن في زاوية أن يشتغل بالله في أوراده بقدر ما يشتغل المحترف في حرفته ولا يكفيه الاشتغال في ورده من الفجر إلى الضحى مثلا .
وقد سمعت سيدي عليا الخواص C تعالى يقول : قد شرعت النعم التي بأيدي الخلائق في التحويل واحتاجوا في تسخير أرزاقهم إلى المشي على قواعد أخرى غير ما كانوا عليه وما بقي يكفي أحدهم في تسخير النعمة له العمل الذي كان عليه في الزمن الماضي . وجملة الأمر أن من كان له شيخ يجب عليه أن لا يخالفه فإنه لا يستعمل كل واحد إلا فيما يصلح له ولا يمنع أحدا من شيء إلا وهو يضره فاعلموا ذلك أيها الإخوان والله يتولى هداكم آمين