[1] كان المانع عن حجّية علم القاضي يقتصر على نفي حجّية العلم الحاصل من المبادئ النظرية الحدسيّة لكان لقوله وجهٌ يعتدّ به، ولكنّه أنكر حجّية جميع أنحائه فوقع في الخطأ، وكلامه موافق إجمالاً لما اخترناه في المقام. بقي هنا مسائل الاُولى : قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ القول بالتفصيل بين حدود الله وحدود الناس إنّما هو بمعنى كون حدود الناس تحتاج إلى المدّعي الخاصّ وهو صاحب الحقّ، فلا يجوز إجراؤها بدونه كما هو مذكورٌ في أبواب حدّ السرقة والقذف. وأمّا إذا كان هناك مدّعياً للحقّ وعلم القاضي من طريق الحس أو ما يقاربه بثبوت الحقّ للمدّعي، فلا يبعد وجوب العمل به. وكذا إذا كان هناك حقوق للناس ـ خارجاً عن دائرة الحدود ـ كما إذا كان النزاع في الود أو المال أو غير ذلك، وثبت بالقرائن المحسوسة التي يحصل اليقين منها لكلّ أحد عادةً أنّ المال لزيد أو لعمرو جاز للحاكم الحكم به، كما تشهد به كثيرٌ من الروايات السابقة; فإنّها وردت في أبواب التنازع في الحقوق أو الأموال، فإذن لايبقى فرقٌ بين الحدود والحقوق، ولا بين حدود الله وحدود الناس; لاتّحاد الدليل في البابين وإنّما الفرق في أنّ الأُولى لاتحتاج إقامتها إلى شيء والثانية تتوقّف على المدّعي الخاصّ. الثّانية : قد يستثنى من القول بعدم الحجّية اُمورٌ، قال في المسالك : إنّ منع من قضاء القاضي بعلمه استثنى صوراً : منها : تزكية الشهود وجرحهم لئلاّ يلزم الدور والتسلسل. (ومراده أنّ تزكية الشاهد لو احتاج إلى شاهدين آخرين ننقل الكلام إليهما، وهكذا، فإمّا أن يعود فيلزم الدور، أو لا يعود فيلزم التسلسل، فلا مناص من عمل القاضي بعلمه في عدالة الشاهد لا محالة.