[219] ولكن ينبغي الالتفاف إلى أنّ الأحكام الشّرعية من جهة بيان فلسفتها تنقسم إلى أربعة أقسام: 1 ـ أحكام شرعية لها فلسفة واضحة، ويمكن اعتبارها من المستقلات العقلية(1)، كتحريم السرقة، والكذب، والغيبة، وظلم الآخرين، وغيرها من الاُمور التي يمكن للعقل البشري أن يدرك انّها نوع من الظلم، وقبح الظلم من المستقلات العقلية. 2 ـ الأحكام الشّرعية التي لا تعتبر فلسفتها من المستقلات العقلية، فهي فلسفة غير بيّنة، إلاّ أنّ القرآن الكريم والروايات هي التي تكفّلت ابداء فلسفتها، وهذه الأحكام كثيرة، مثل فلسفة الصلاة والزكاة والصوم. 3 ـ الأحكام الشّرعية التي ليست فلسفتها من المستقلات العقلية، وليست من الأحكام التي بيّن القرآن أو الروايات فلسفتها، ولكن على أثر مرور الزمان وتقدم العلم اتضحت لنا فلسفة وحكمة تشريعها، مثل فلسفة حرمة أكل لحم الخنزير التي توصل العلم اليوم إلى اكتشاف فلسفة تحريمه. 4 ـ الأحكام الشرعية التي لم تتضح فلسفتها بأي من الطرق الثّلاثة السّابقة، مثل عدد ركعات الصلاة، مقادير سهام الارث، نصاب الزكاة، مقادير الديات وغيرها من الأحكام التي لم نتوصل لحدّ الآن إلى معرفة فلسفتها، والنّتيجة هي أنّ الأحكام الشرعية أربعة أقسام، ثلاثة منها يمكن التّعرف على فلسفتها، ويحقّ لنا البحث فيها، وأمّا القسم الرابع فلا يمكن الوقوف على فلسفته(2). ــــــــــــــــــــــــــــ (1) المستقلات العقلية مصطلح يطلق على الاُمور البديهية التي يدركها كل عاقل، ولا يمكن إنكارها، كقبح الظلم وحسن الإحسان وإعانة الآخرين. (2) وهذه النّظرية هي النّظرية الوسط في هذه المسألة، وهناك نظريتان اُخريان : إحداهما لزمت جانب الإفراط، والاُخرى لزمت جانب التفريط، فالاُولى تقول: إنّ البحث في فلسفة الأحكام ممنوع مطلقاً! والاُخرى تقول: إنّ معرفة الأحكام ممكنة مطلقاً، وكلا النظريتين خاطئة، وللأسف فانّ مثل هذا التفريط والإفراط كثير في النظريات التي تبحث في المسائل العلمية والاجتماعية والثقافية و... وغالباً ما يكون وجود إحدى هاتين الرؤيتين سبباً ورد فعل لظهور النظرية المعاكسة.