[278] الولد والمال كانت من أسباب القوّة والقدرة. وقال تعالى أيضاً في سورة القصص مشيراً إلى قارون المستكبر : (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً)(1). وهذه الآية تدلّ على أنّ كثرة الجمع أمر قرين للقوّة. وحينئذ لو ثبت لنا بالأدلّة القطعية أن كثرة النفوس في بعض الأزمنة توجب الضعف والوهن والفقر والجهل والمرض والبطالة، فلا تكون امراً يفتخر به، بل تكون سبباً للتواني والفشل. وبذلك تخرج عن شمول تلك الآيات والروايات; لأنّها وردت في ظروف اُخرى ناظرة الى اُناس آخرين. وأنت ترى في العصر الحاضر أنّه لا يفتخر إنسان على غيره بأنّي أكثر منك مالاً وولداً، نعم يمكن أن يفتخر بماله، ولكن لا يفتخر بكثرة أولاده. وممّا يشهد على ما ذكرناه قوله تعالى في سورة الأنفال مخاطباً للمسلمين : (وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الاَْرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدكُم بِنَصْرِهِ)(2). فكان المسلمون قليلينَ بحيث يمكن أن يتخطّفهم الناس، فوجب عليهم في هذه الظروف الاهتمام بكثرة الأفراد وتكثير الأولاد، حتّى لا يقدر أعداؤهم على السيطرة عليهم. أمّا لو فرض زمان تكون الكثرة فيه سبباً للاستضعاف فلا شكّ أنّ الحكم يتغيّر. كما هو الأمر في زماننا فقد صارت كثرة النفوس سبباً للضعف والفتور والتخلّف، وتشهد لذلك عدّة مؤشّرات : 1 ـ كان كثرة النفوس في السابق سبباً للتقدّم والغلبة، لا سيّما في الحروب، فإنّ ــــــــــــــــــــــــــــ (1) القصص : 78. (2) الأنفال : 26.