[372] ومن مصاديق الحكمة وجوب الاعتداد على المرأة المطلّقة للاحتراز عن اختلاط المياه، فانّ هذا الوجوب ثابت أيضاً فيما لم يكن بين الزوجين مواقعة أصلاً، فليس هناك ماءٌ حتّى يحتمل اختلاط المياه، لكنه لايوجب رفع الحكم، لكون الدليل وارداً مورد الغالب، فيكون من باب لحكمة لا الغلة. وهكذا يتضح أن ظاهر تلك الأحاديث، موضوعية الأجناس التسعة لا طريقيتها، وأمّاعلّة انحصار الزكاة في تلك الأشياء فلم تظهر لنا وليس بواجب علينا علمها، إذ ربّ حكم شرعي ليس لنا سبيل إلى فهم علته وإن يمكن فهم حكمته. نعم، أن جميع الأحكام الشرعية دائرة مدار المصالح والمفاسد، فإنّ الله تعالى لايأمر إلاّ بما فيه مصلحة ولا ينهى إلاّ عمّا فيه مفسدة لكن باب العلم بشخص هذه المصالح والمفاسد بنحو العلّة التامّة (دون العلّة الناقصة أعني الحكمة) في كثير من الأحكام الشرعية مغلقٌ علينا. إن قلت : هناك أحاديث تدلّ على أنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) جعل على البرذون زكاة كما رواها محمّد بن مسلم وزرارة عنهما جميعاً (عليهم السلام) قالا : وضع أميرالمؤمنين (عليه السلام)على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين وجعل على البَراذِين(1)ديناراً(2). قلنا : أن التدقيق في أخبار الباب يرشدنا إلى أن ذلك من أميرالمؤمنين (عليه السلام) كان حكماً حكومياً مناسباً لظروفه الخاصّة، به ولم يكن بياناً لحكم شرعي دائمي، ولذا صرّح الصادق أو الباقر (عليهما السلام) بأنه ليس في شيء من الحيوان زكاة غير هذه الاصناف ــــــــــــــــــــــــــــ (1) براذين على وزن مفاعيل جمع بِرذَوْن بكسر الباء وفتح الذال المعجمة وسكون الواو يطلق على غير العربي من الخيل والبغال من الفصيلة الخيلية. (2) الوسائل : كتاب الزكاة باب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 1.