(184) إلهياً، ورئيس دولة إسلامية أسّسها منذ بدء وروده المدينة، ومراده هو إبعاد نفسه عمّـا يتبادر إلى أذهان العامّة من سماع ذلك اللفظ، وأنّه ليس من أُولئك الزمرة، بل حاكم إلهي يسعى لصالح الاَُمّة حسب القوانين الاِلهية. وبالجملة: فرق بين السلطة التي تستخدمها الغرائز المادية، والسلطة التي تراقبها النبوّة، ويكبح جماحها الخوف من الله ، والعشق لرضوانه، والذي طلبه سليمان في الآية إنّما هو الثاني، وهو عمل إلهى وخدمة للدين وعمل مقرّب، دون الاَوّل. ولاَجل أن لا تذهب أذهان الصحابة إلى المعنى المتبادر من لفظ "الملك" قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتوضيح ما طلب سليمان لنفسه من الله سبحانه وقال: "أرأيتم ما أُعطي سليمان بن داود من ملكه؟ فإنّ ذلك لم يزده إلاّ تخشعاً، ما كان يرفع بصره إلى السماء تخشعاً لربّه".(1) وقد أوضحنا حقيقة السلطة الإسلامية التي دعا إلى استقرارها الكتاب والسنّة، وملامحها وأهدافها، فلاحظ (2) ومن هنا يعلم جواب السوَال الرابع: وأنّه لماذا قال: (لا ينبغي لاَحد من بعدي)؟ فإنّه لم يقل ذلك ضناً وبخلاً على الغير، وإنّما قال ذلك، لاَنّه طلب الملك الذي لا يصلح في منطق العقل والشرع أن يمارسه غيره، أو من هو نظيره في العلم والاِيمان، وذلك لاَنّه سبحانه يبيّـن ملامح هذا الحكم في آيات أُخر ويقول: (فَسَخّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بأمرِهِ رُخَاءً حَيثُ أصابَ * والشياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغوّاصٍ * وآخَرِينَ مُقرَّنِينَ فِي الاَصفادِ * هَذَا عَطاوَنا فَامْنُن أَوْ أَمْسِكَ ____________ 1 . روح البيان: 8|39. 2 . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: الفصل الاَوّل: 11 ـ 72.