(233) الموجهة إليهما. وعلى فرض صحة الرواية الأولى لابدّ أن يقال: إنّ الرواية إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان موضع عنايته سبحانه ورعايته، فلم يكن مسوَولاً عن أفعاله وحركاته وسكناته فقط، بل كان مسوَولاً حتى عن نظراته وانقباض ملامح وجهه، وانبساطها، فكانت المسوَولية الملقاة على عاتقه من أشد المسوَوليات، وأثقلها صدق الله العلي العظيم حيث يقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) (1) كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يناجى صناديد قومه وروَساءهم لينجيهم من الوثنية ويهديهم إلى عبادة التوحيد، وكان لاِسلامهم يوم ذاك تأثير عميق في إيمان غيرهم، إذ الناس على دين روَسائهم وأوليائهم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الظروف يناجي روَساء قومه إذ جاءه ابن أُم مكتوم غافلاً عمّـا عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاَمر المهم، فلم يلتفت إليه النبي، وجرى على ما كان عليه من المذاكرة مع أكابر قومه. وما سلكه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن أمراً مذموماً عند العقلاء، ولا خروجاً على طاعة الله ، ولكن الإسلام دعاه وأرشده إلى خلق مثالي أعلى ممّـا سلكه، وهو أنّ التصدي لهداية قوم يتصورون أنفسهم أغنياء عن الهداية، يجب أن لا يكون سبباً للتولّـي عمّـن يسعى ويخشى، فهداية الرجل الساعي في طريق الحق، الخائف من عذاب الله ، أولى من التصدي لقوم يتظاهرون بالاستغناء عن الهداية وعمّـا أنزل إليك من الوحي، وما عليك بشيء إذا لم يزكّوا أنفسهم، لاَنّ القرآن تذكرة فمن شاء ذكره (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (2) ____________ 1 . المزمل: 5. 2 . الغاشية: 21 ـ 22.