( 170 ) طرحت مسألة الزراعة، ونرى فيها أنّ القرآن الكريم يسهم الزّراع في ظهور النباتات وتواجدها، ولكنّه يعتبر اسهامهم محدوداً لا يتعدّى عملية بذر البذور ، ولهذا يسمح بأن يطلق عليهم صفة الزارع.(1) ولكن عمل الزارع لا يتجاوز هذا الأمر ، أعني: البذر . غير أنّ هذا العمل وحده غير كاف في مسألة الزراعة ونشوء النباتات والثمار لأنّه: يسأل أوّلاً: من الذي خلق البذرة ؟ و على قدرة من اعتمدت هذه الحبة بحيث استطاعت أن تتسبب في ظهور مئات الحبات ونشوئها في شكل سنابل؟ لا مناص من أن يكون لهذه الحبة خالقاً غير البشر . ثم يسأل ثانياً: هل يكفي لتربية النباتات وخروجها مجرد الحرث وبذر البذور ، أم أنّ مئات العوامل والعلل الخارجية الأُخرى، يجب أن تتضافر وتتفاعل وتتعاضد فيما بينها لتمنع من جفاف النبتة والسنبلة، وهذا شيء خارج عن قدرة البشر . ترى هل هذا كلّه من صنع اللّه أم من فعل العوامل المخلوقة للّه؟ وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن بقوله: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (2) * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) . (3) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 . إلاّ أنّه لا يخلو من العناية والمجاز كقوله سبحانه : (يَعْجَبُ الزُّرَاّعَ ) (الفتح: 29). 2 . تتفكهون أي تتحدثون، وأصله من التفكّه: أخذ الشيء فاكهة واستعير للحديث الذي يتحدثون به تفرجاً بتناوله. 3 . الواقعة: 65 ـ 67.