( 244 ) وقد ذكر فريق من المفسرين توجيهات مختلفة للتسبيح، ولكن أكثرها وإن كانت صحيحة غير أنّها لا ترتبط بالمعنى الحقيقي للتسبيح، وسوف نشير فيما يلي إلى جملة من هذه الآراء. النظرية الأُولى(1) قال أصحاب هذه النظرية : إنّ المراد من التسبيح هو "التسبيح التكويني" بمعنى أنّ وجود كل موجود حادث يشهد ـ بحدوثه ـ أنّ له صانعاً خالقاً حتى أنّ وجود المادي الملحد المنكر للّه بلسانه، هو أيضاً، يشهد بوجود الخالق الصانع. بيد أنّ هذا الرأي ـ رغم صحته واستقامته في حد نفسه ـ لا يمكن أن يكون تفسيراً صحيحاً ومقبولاً للتسبيح، لما قلناه من انطواء التسبيح على معنى (التنزيه) والتقديس من العيوب والنقائص، ولا ربط لدلالة الموجودات على وجود خالق لها بمسألة "التنزيه" و "التقديس" عن العيب والنقص والشريك. النظرية الثانية وتقول هذه النظرية : إنّ المقصود من التسبيح هو "الخضوع التكويني" الذي يبديه كل واحد من الموجودات الكونية تجاه مشيئة اللّه وأمره، إذ نحن نلمس بالوجدان كيف يخضع كل الوجود بلا استثناء أمام الإرادة الإلهية، سواء أكان في تقبل الوجود، أم في اتّباع السنن الطبيعية التي قررها وأرساها اللّه في عالم الكون. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 . هذه النظرية إجمال ما سيوافيك في النظرية الثالثة، ولعل مراد من فسر التسبيح بما في هذه النظرية، هو ما سيأتي في ثالثتها من أنّ العالم كما يدل على وجود خالقه يدل على صفاته من توحيده وعلمه و ... وعلى ذلك تتحد النظريتان.