( 507 ) هنا مادة متحولة، والمفروض وجود "الطين" في المقام، وما صدر عن عيسى هو "التقدير"، أعني: تقدير الطين كهيئة الطير، وبقي الثالث وهو صيرورته طيراً حقيقياً، فهو فعل اللّه يتحقق بإذنه سبحانه ، فلم يبق هنا فعل غير عادي يصح استناده إلى المسيح ـ عليه السَّلام ـ . أمّا الجواب، فنقول: أوّلاً: أنّا لا نسلم بأنّ قوله تعالى: (بإذن اللّه) راجع إلى الأمر الثالث، بل من المحتمل جداً رجوعه إلى الأُمور الثلاثة، والشاهد عليه أنّه قيّد الأمر الأوّل من سورة المائدة بهذا القيد حيث قال سبحانه : (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْني فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي).(1) وعلى ذلك فلا يدل تقييد الأمر الثالث بإذن اللّه على أنّ الأمرين الأوّلين فعل عيسيعليه السَّلام والأمر الثالث فعل اللّه سبحانه ، بل الكلّ فعله ـ عليه السَّلام ـ من جهة، وفعل اللّه من جهة أُخرى. وثانياً: لو سلمنا بذلك التكلّف في خلق الطير، فماذا يمكن أن يقال في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، التي هي من أفعال اللّه، كصيرورة الطين طيراً، فقد نسبه اللّه إلى نفسه، وقال: (وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِاللّهِ)(2) حتى أنّ اللّه سبحانه نسبها إلى المسيح وخاطبه بها وقال: (وَتُبْرئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إذْتُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي).(3) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 . المائدة: 110. 2 . آل عمران: 49. 3 . المائدة: 110.