( 199 ) فعندما ينظر القرآن الكريم إلى المجتمع من هذه الزاوية الحقوقيّة، يعتبر للمجتمع وجوداً، وعدماً وحياةً ونشوراً، وأجلاً وكتاباً وتقدمّاً وتقهقراً إلى غير ذلك من الآثار التي تكون للفرد. وفي هذا الصدد يكتب العلاّمة الطباطبائيّ في تفسيره قائلاً: (إنّ القرآن اعتبر للمجتمع وجوداً وعدماً، وأجلاً وكتاباً، وشعوراً وفهماً وعملاً وطاعةً ومعصيةً وكلُّ ذلك يدلّ على أنّ للمجتمع ـ في مقابل الفرد حقيقةً واقعيّةً في ظرفه المناسب له، يقول سبحانه: ( وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف: 34) وقال: (كُلُّ أُمّة تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا ) (الجاثية: 28) وقال: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلَهُمْ ) (الأنعام: 108) وقال: ( مِنْهُمْ أُمّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ) (المائدة: 66) وقال: (أُمّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَاياتِ اللّهِ ) (آل عمران: 113) وقال: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمّة بِرَسُولِهِمْ لَيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لَيُدحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) (غافر: 5) وقال: ( وَلِكُلِّ أُمّة رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بَالقِسْطِ)(يونس:47). ومن هنا; نرى أنّ القرآن يعتني بتواريخ الامم كاعتنائه بقصص الأشخاص بل أكثر; حينما لم يتداول في التواريخ إلاّ ضبط أحوال المشاهير من الملوك والعظماء، ولم يشتغل المؤرّخون بتواريخ الامم والمجتمعات إلاّ بعد نزول القرآن، فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم المسعودي وابن خلدون، حتّى ظهر التحول الأخير في التأريخ النقليّ، بتبديل الأشخاص اُمماً وهذا هو الملاك في اهتمام الإسلام بشأن الاجتماع، ذلك الاهتمام الذي لانجد ولن نجد نظيره في واحد من الشرائع ولا في سنن الاُمم المتمدِّنة، فإنّ تربية الأخلاق والغرائز في الفرد وهوالأصل في وجود المجتمع; لا تكاد تنجح مع كينونة الأخلاق والغرائز المعارضة والمضادةّ القوية القاهرة في المجتمع; إلاّ يسيراً لا قدر له عند القياس والتقدير.