@ 330 @ واستغني عنه يبقى مسجدا عند أبي يوسف لأنه إسقاط لملكه فلا يعود إلى ملكه كالإعتاق ألا ترى أن المسجد الحرام استغنى عنه أهله في زمن الفترة ولم يعد إلى ورثة الباني وعند محمد رحمه الله يعود إلى ملكه أو إلى ورثته بعد موته لأنه عينه لجهة وقد انقطعت كالكفن إذا خرج يرجع إلى مالكه وعلى هذا حصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنهما يرجع إلى مالكه عند محمد وعند أبي يوسف ينتقل إلى مسجد آخر وعلى هذا الخلاف الرباط والبئر إذا لم ينتفع بهما قال رحمه الله ( ومن بني سقاية أو خانا أو رباطا أو مقبرة لم يزل ملكه عنه حتى يحكم به حاكم ) وهذا عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف يزول ملكه بالقول وعند محمد رحمه الله إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك فكل واحد منهم بنى على أصله من اشتراط حكم الحاكم أو التسليم أو مجرد القول على ما بينا من قبل ولو سلم إلى المتولي صح التسليم على قول من يرى أنه شرط ولو جعل أرضه طريقا فهو على هذا الخلاف ثم لا فرق في الانتفاع بمثل هذه الأشياء بين الغني والفقير حتى جاز للكل النزول في الخان والرباط والشرب من السقاية والدفن في المقبرة بخلاف الغلة حيث لا تجوز إلا للفقراء لأن الغني مستغن بماله عن الصدقة ولا يستغني عما ذكرنا عادة وهي الفارقة لأنه لا يمكنه أن يستصحب هذه الأشياء عادة فكان محتاجا إليها كالفقير ولا حاجة إلى الغلة لاستغنائه عنها بماله وعلى هذا الوقف حتى لو وقف أرضا ليصرف غلتها إلى الحاج أو إلى الغزاة أو طلبة العلم لا يصرف إلى الغني منهم ذكره في المحيط في باب تسليم الوقف وعلى هذا لو جعل داره مسكنا لأبناء السبيل في أي بلد كان يستوي فيه الغني والفقير لما ذكرنا من الفرق وروى في الخبر عن عثمان أن { النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع ولاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي } رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن فإذا جاز للواقف أن يشرب منه فما ظنك بغيره من الأغنياء قال رحمه الله ( وإن جعل شيء من الطريق مسجدا صح كعكسه ) معناه إذا بنى قوم مسجدا واحتاجوا إلى مكان ليتسع فأدخلوا شيئا من الطريق في المسجد وكان ذلك لا يضر بأصحاب الطريق جاز ذلك وكذا إذا ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل تؤخذ أرضه بالقيمة كرها لما روي عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم لما ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضين بكره من أصحابها بالقيمة وزادوا في المسجد الحرام وقوله كعكسه أي كما جاز عكسه وهو ما إذا جعل في المسجد ممر لتعارف أهل الأمصار في الجوامع وجاز لكل أحد أن يمر فيه حتى الكافر إلا الجنب والحائض والنفساء لما عرف في موضعه وليس لهم أن يدخلوا فيه الدواب والله أعلم بالصواب