والغوص في أسرار الحديث ـ إلى أن قال ـ ومما يُرجّح به كتاب البخاري أن مسلماً رحمه الله كان مذهبه ـ بل نقل الإجماع في أوّل صحيحه ـ أن الإسناد المعنعن له حكم الموصول «بسمعتُ» بمجرد كون المُعنعِن والمُعنعَن عنه كانا في عصر واحد وإن لم يثبت اجتماعهما، والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما، وهذا المذهب يُرجّح كتاب البخاري، وإن كنّا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقاً كثيرة يتعذّر معها وجود هذا الحكم الذي جوّزه والله أعلم([339]). وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة، وهي كونه أسهل تناولاً من حيث أنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به. جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه، بخلاف البخاري، فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة، وكثير منها يذكره في غير بابه فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث...»([340]) وقد ذكر النووي معنى قولهم «حديثٌ صحيح على شرط البخاري أو على شرط مسلم» وعدد من خرّج لهم البخاري ولم يُخرّج مسلم وبالعكس وما فيه التعليق عند البخاري، وليس عند المسلم بما يطول وذكر كثيراً من الفوارق بينهما فلاحظ([341]).