حينما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعثه إلى اليمن قاضيا، فسأله ـ كما جاءت في كُتب الحديث([647]) ما معناه: «بماذا تقضي؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي...» وهذا الحديث كالنص على أن الاجتهاد عند معاذ كان مصدرا من مصادر القضاء بعد فقدان الحكم في الكتاب والسنّة. ولكنه مالبث حتى أطلق على نفس استنباط الاحكام من مصادرها. وكيف كان فقد استمرّ الاجتهاد في جميع العواصم الإسلامية العلمية كالمدينة ومكة والعراق والشام ومصر وغيرها عند فقهاء البلاد استنادا إلى الكتاب والسنّة وما ألحق بهما من الإجماع والقياس والرأي والاستحسان وغيرها على خلاف بينهم في غير الكتاب والسنّة من الأدلة. وكلما توسّعت رُقعة الإسلام، وتنوّعت الأعراف والعادات، وازدادت وتضاعفت الحاجات في صعيد الشريعة والأحكام، أو في حقل الأقضية والفتاوي، توسّع واستكمل نطاق الاجتهاد، كما اختلفت الآراء والأقوال وبرزت المذاهب والمدارس الفقهية في البلاد، حتى أصبح علم الفقه والاجتهاد من أبسط العلوم وأطولها، بل وأهمها في الإسلام، ذا شقوق وفروع وأصول وأركان، مرتبطا بجملة من العلوم الأدبية واللغوية والقرآنية والحديثية وغيرها. وقد تكفّل علمٌ برأسه ـ وهو علم أصول الفقه ـ بيان أصوله وضوابطه واُسسه وقواعده. هذا هو مصير الاجتهاد عند الجمهور، وأما الشيعة الإمامية فكانوا