والايقاعات والأحكام كانت في الأصل تقاليد بشريةً، وجاء الدين فاعتبرها وأمضاها حسب التقاليد، أو رفضها رأساً، لما رأى فيها من الفساد، أو تصرّف فيها بإضافة شرط أو قيد إليها حتى بلغت إلى هذا الحد من الكمال، ربما لم يكن يصل إليه العقل البشري لولا الشريعة. وهذا هو المراد من قولهم: «إن المعاملات إمضائيات» فليست هي من صنع الدين; فقد «أحلّ الله البيع وحرّم الربا» والبيع هو البيع عند الناس والربا كذلك، فالدين إنما حرم وأحل ما شاع عند الناس ولم يخترعه، بل لا يوجد شيء من المعاملات يختص به الدين من غير أن يسبقه تقليد بشري عام أو خاص، سوى ما ندب إليه الدين مثل: القرض الحسن والهبات ونحوها; كما إنّ بعض الحقوق والأحكام في غير المعاملات كذلك ـ والظاهر أن كثيراً منها جاء به الإسلام ـ لم يسبقه سابق كأحكام الإرث الخاصة والقضاء الإسلامي إلى غيرها; وإن لا ننكر وجود نحو من الإرث والقضاء قبل الإسلام. وأما العبادات: فقد كانت موجودةً في الأديان السماوية بنفس الأسماء كما يشهد به القرآن، إلاّ إن الدين الإسلامي مع الاحتفاظ على الأسماء تدخل في كيفية العمل، فغيّر وبدّل منها ما شاء، وحرّم منها ما شاء، وربما أضاف إليها أشياء حسب ما اقتضته الحكمة الإلهية مما ليست في وسع الإنسان الإحاطة به. والظاهر إن التقاليد التي كانت متّبعة في جزيرة العرب هي التي بَنى عليها الإسلام نظام المعاملات، فاعتبرها إطلاقاً، أو رفضها إطلاقاً، أو قيّدها بقيود وشروط، أو اعتبر ما يشابهها حتى كمُلت ووافقت المصلحة تماماً بما يخرج تشريعها عن طاقة البشر. والتقاليد الجارية في غير الجزيرة لابد أن تُطبّق على ما أمضاه الشارع فيرفض ما عداها. وهذا ما قام به علماء المذاهب الفقهية في