يخاطب قوما ذوّاقين للكلام درّاكين لدقايقه، وبهذا قد خضعت العرب لبلاغة القرآن واستعدت لفهمه والاهتداء به. والاّ فليست المخاطبة بالكلام الفصيح مثل القرآن لقوم لا يفهمون لطائفه ودقائقه إلاّ كمخاطبة الصُمّ إذا ولّوا مدبرين. وقد نزل القرآن بإسلوب سهل و كما تكرر وصفه في هذا الكتاب ـ بلسان عربي مُبين، يدركه الذين كانوا في طليعة المخاطبين بالقرآن ـ وهم العرب ـ ولكنه لم ينحصر بهم فقد كان كتاب الأجيال والأعراق، وغذاءً روحيّا للأمم مدى الدهر، فما احتوى عليه لم يكن كل ما فهم العرب حين النزول، وفيه ما يُقنع الآخرين إلى الأبد. هذا مع الاعتراف بأن العرب بإزاء هذا الرقاء اللغوي والتقدّم الأدبي، فقد كانت من الناحية العقائدية والدينية في ضلال مبين، عريقة في عبادة الأصنام متلبّسة بتقاليد سيّئة ـ كما نطق القرآن الكريم ـ رغم ما بقي فيها من بقايا شريعة «إبراهيم» عليه السلام فكان انتسابها إلى النبي إبراهيم مجرّد فخر بالانتماء إليه من دون أن تستفيد من دينه وأن تهتدي بهداه. بداية الحركة الفكرية والخُلُقية: نزل القرآن الكريم في مثل هذا الجوّ المتلاطم والمناخ المتخلف ـ وفي نفس الوقت الملائم للصلاح ـ على الرسول الأمين الذي نشأ وتربى في أشرف القبائل والأسر العربية وفي جوار الكعبة المشرّفة، باقياً على الفطرة السليمة، مصوناً عن أرجاس الجاهلية، لم تمسّه يد الشرك والضلالة، بين قوم متخلّفة قد أعدّتهم الحكمة الإلهية لتلقي تعاليم الرسول والاستماع إلى الوحي القرآني، ولاستيعاب مفاهيمه ونقلها للآخرين، قوم مسّتهم ضلالة الجاهلية لكنهم كانوا على الفطرة، لم