تحرّفهم عنها الفلسفات البشرية الغامضة، مع ما كانت فيهم من خصال عديدة أشرنا إليها: الشجاعة، والبطولة، والفروسيّة، والحريّة، والإباء، والسخاء، والفداء، والوفاء بالعهد، والأمانة للمواثيق. فكانت العرب في حالة إذا أزيلت ضلالتهم ونالتهم الهداية، لأسرعوا كالبرق الخاطف إلى طريق الصواب وإلى الصراط المستقيم، لسبقوا الأمم المتحضرة في تعاطي الحكمة والمعرفة، والوصول إلى الكمال، وهذا ما وقع بإذن الله ومشيئته. فالوحي القرآني حينما صادف هذه البيئة الطيّبة والأرضية الخصبة، وهذا الإستعداد الملائم للكمال عند العرب، بدأ بإزالة ذلك الإنحراف العقائدي والفساد الخُلُقي وأرشدها إلى الصراط السويّ في ناحية العلم والعمل وفي صعيد المعرفة والخُلُق فتعقبهما الثقافة والحضارة. وإليكم البيان: 1 ـ أما في ناحية الخُلُق ـ ويبدو ان لها الأولوية في سبيل الإصلاح ـ فقد وجّه القرآن اهتمامه بتهذيب النفوس من الأدران، وبتعديل غرائز الإنسان بتصفية باطنه وتجلية روحه: «قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها»([18])، مصرحاً بأن أعمال الإنسان ناشئة عن الشكل الداخلي له: «قل كلّ يعمل على شاكلته»([19]) كما أنّها متناسبة مع طريقة تفكيره، فأعمال الإنسان هي حصيلة تشكله الروحي وطريقة تفكيره معاً. وبين هاتين الخصلتين رباط وثيق، فالفكر النيّر السالم ينبع من الباطن الصفيّ والقلب السليم الطاهر، والفكر المنحرف المتطرف ينشأ من الروح الكدرة والنفس القذرة. وفي هذه النقطة فالقرآن يصل بين عقل الإنسان وقلبه، وبين قواه