رشد المعرفة في قُرطبة، التي لم يتجاوز أسوارها لأخذ العلم خارجاً، كما هي عادة طلاب العلم قبله وبعده، وتبدأ القائمة بالأب «أحمد بن محمد» الذي كان من أهل العلم والجلالة والعدالة، أخذ عنه محمد بن رشد أوّليات الثقافة وفق المنهج الأندلسي... ولا يبعد أنه أخذ من الوالد الفقه المالكي وفنّ القضاة([669]). ولعلّ جوّ الأسرة التي ورثت الفقه والقضاء، ثم لعلّ جوّ قُرطبة التي عُرفت بالمحافظة الشديدة على العمل بأصحّ الأقوال المالكية.... ثم لعلّ الجوّ العام بالمغرب والأندلس، الذي كان يحض على العناية بالفروع... أي فروع مذهب مالك، كانت لها دور حاسم في توجيه ابن رشد ليختصّ في الفقه المالكي، وكانت أسرة ابن رشد، من أكثر أسر الأندلس وجاهة، وكانت تتمتّع بتقدير عظيم في القضاء([670]). كان ابن رشد الجدّ شيخ الفتوى بالأندلس والمغرب على مذهب مالك وأصحابه، يُكيّف الحياة اليومية مع الفقه المالكي([671]). وكان يُدرّس «المُدوّنة والعُتبية»([672]) للطلاّب، وهو شارح لهذين الكتابين وناشر لهما، باعتبارهما عمدة الفقه المالكي، وعمدة المالكية الأندلسيّة بالخصوص، وهو حام للمذهب المالكي وخاصة من مدرسة الرأي، التي يُمثّل خطرها على المالكية الأندلسية، أبو جعفر الطحاوي (236 ـ 321 هـ) بكتبه التي لاقت رواجاً