كبيراً من مواريث هذه الأمم إلى العربية. وبعد ذلك شرعوا بالابتكار والتوسعة فيها على ضوء المنطق القرآني والتجربة التي اكتسبوها من الآخرين. ونحن نرى ـ خلافا لما يراه البعض من أن تعرّف المسلمين على العلوم الاجنبية (العلوم الدخيلة) كانت نقطة انحرافهم عن الفلسفة القرآنية ـ نرى أن التفاتهم إلى آثار الآخرين، كان نابعاً عن التعليم القرآني في سوقهم إلى معرفة أسرار الوجود. على أن هذه الحركة الثقافية والسير العلمي كانت عُرضة للتصاعد والتنازل، وأحيانا للانحراف عن طريقة التفكير القرآني الخالص عن الشوائب. فقد قام بعض العلماء بتبيين مباني الفلسفة اليونانية والعرفان الهندي أو المسيحي، ونسوا أو تناسوا أصالة الفلسفة القرآنية، أو مزّجوا وخلطوا بينهما، فظهرت في ميدان الثقافة فلسفة وعرفان مزدوجان من التفكير البشري والروحي السماوي، وكانت ـ على أي حال ـ ذات قيمة فيها مسحة قرآنية وجذورٌ أجنبية. بما فيها من مسائل كثيرة ابتكرها المسلمون أنفسهم، لم يسبقهم إليها غيرهم. يبدو أن محور تفكير العلماء المسلمين في بدء هذه الحركة إلى أمد بعيد كان هو السعي لتطبيق مباني تلك العلوم المستعارة على الفلسفة القرآنية، ولكن إلى أيّ حدّ وُفّقوا له ووجدوا إليه سبيلا، وكم كانت مساعيهم العلمية تعكس الهويّة الإسلامية؟ هذه مسألة شائكة ومعقّدة، لاتزال مطروحة على بساط البحث بين الفلاسفة والمتكلّمين وأهل الحديث. ومهما كانت النتيجة، فلا ريب أن طريقة الفلسفة اليونانية بطبيعتها مبنية على التعقل المحض في حين أن الفلسفة القرآنية أقرب إلى طريقة تجريبيّة من أجل أنّ القرآن يوجه الأنظار إلى نفس الموجودات العينية المشاهدة لينظر الإنسان إليها ويتأمل فيها، من دون تمهيد مقدّمات عقلية معمّقة، بعيدة عن ساحة الحسّ، كما