وفي القرن الثاني ظهرت بالتدريج المذاهب الفقهية. وأول شخصية فقهية برزت خارج إطار مدرسة أهل البيت هو أبو حنيفة (80 ـ 051هـ.) وكان معاصراً للإمام الصادق (80 ـ 841 هـ.)، وتلاه مالك بن أنس (93 ـ 179هـ.). كان أبو حنيفة إمام أهل العراق ومدرسته تقوم على القياس والاجتهاد، ومالك إمام المدينة ومدرسته تعتمد الرواية والحديث، والاثنان كانا على علاقة وطيدة بالإمام الصادق، كلاهما تتلمذا عليه وأفادا منه، نجد أثر ذلك فيما قاله الاثنان عن الإمام، وما نقلاه من روايات عن مدرسة أهل البيت([708]). هذه العلاقة الوطيدة لها مدلولها الكبير، لاننا نعلم أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) كان يختلف مع هذين الإمامين من أئمة أهل السنّة في أمور، غير أنّ الإمام لم يكن يركز على هذا الاختلاف ليتحول إلى قطيعة بينه وبين من لا يرى رأيه، بل كان يرتبط ارتباطاً تعاونياً ـ كما تقتضيه رسالة الإسلام ـ مع غيره من علماء عصره بما يشترك فيه معهم. وتذكر لنا كتب المسانيد روايات كثيرة عن العلاقة الوثيقة بين الإمام الصادق وأبي حنيفة ومالك، وما نقل خلاف ذلك فهو نادر وشاذ ومحدود بظروف خاصة، أو ضعيف ومجعول. هذا السلوك الرسالي من الإمام الصادق هو الذي جعل أربعة آلاف طالب يلتفون حول الإمام الصادق ينهلون من علومه فيهم كثير من أهل السنّة([709]).