البيان، والملائكة أخبروا الرسل وبينوا لهم، وأولوا العلم أخبروا بذلك وبينوه عالمين به ولا يزالون كذلك. ثم فنّد صاحب التفسير قول الأولين واختار هو أن الشهادة بالشيء هي الإخبار به عن علم بالمشاهدة الحسية أو المعنوية وهي الحجة والدليل، وأنّ شهادة الله في كتابه ليست مجرد إخبار بل هي مؤيدة بالبراهين وبالآيات على صدق الرّسل، وشهادة الملائكة للأنبياء مقرونة بعلم ضروري هو عند الأنبياء أقوى من جميع اليقينيات البديهية، وبتلك الدلائل أمروا بأن يحتجوا بها على الناس، وشهادة أولوا العلم تقرن عادة بالدلائل والحجج، لأن العالم لا تعوزه الحجة عليه ثم قال في ضمن تفسير قوله (قائماً بالقسط): فالقيام بالقسط على هذا من قبيل التنبيه إلى البرهان على صدق شهادته تعالى في الأنفس والآفاق لأنّ وحدة النظام في هذا العالم تدل على وحدة واضعه. وأمّا الفلاسفة فقد فسروا الآية بما يُسمّى عندهم برهان الصديقين وهو شهادة الله بذاته على ذاته ودلالته عليه قبل أن تدلّ عليه مخلوقاته وذلك بالنظر في نفس الوجود بما هو وجود. وكأن الفيض الكاشاني أراد الجمع بين هذه المعاني حيث قال: (شهد الله) بين وحدانيته لقوم بظهوره في كل شيء وتعرفه ذاته في كل نور وفيء. ولقوم بنصب الدلائل الدالة عليها، ولقوم بإنزال الآيات الناطقة والملائكة بالإقرار ذاتاً لقوم، وفعلاً لقوم وقولاً لقوم (واولوا العلم) بالإيمان والعيان والبيان، شبّه الظهور في الانكشاف والكشف بشهادة الشاهد([70]).