[ 185 ] عن (1) لسان الذام الاحسان لا يفعل ذلك التفريق في اللسان بل يكون بسببه منع اللسان من الحركة بما لا ينبغى، ووجه المناسبة انه كما انه الغاية من قطع اللسان بالالة القطاعة ترك الكلام فكذلك في الغاية من اسكاته بالعطية، وهذا من محاسن الاستعارة. واما علة هذا الحكم فنقول الاحسان قسمان، ذاتي وعرضى، فالذاتي هو الذى يصدر عن الاخيار الفضلاء وذلك ان سيرهم محمودة محبوبة فهم محبوبون لذواتهم وأفعالهم مسرورون بأنفسهم مسرور بهم غيرهم، وكل احد يجب ان يواصلهم ويصادقهم، فهم أصدقاء انفسهم والناس أصدقاؤهم، ومن هذه سيرته فتجده يحسن الى الناس بقصد وغير قصد إذ كانت أفعاله محبوبة لذيذة والمحبوب اللذيذ مختار ومطلوب، وإذا كان كذلك فلابد وان يكثر المقبلون عليه والمحتفون به، ومن كانت هذه حاله برئ ان (2) يصل إليه ذم أو يلحقه لوم بل تكون الالسنة مقطوعة عنه بل هي دائما رطبة بالثناء عليه متحركة بشكره فضلا ان تكون ذامة له وهذا هو الاحسان الذى يبقى ولا ينقطع، ويزيد ولا ينقص، ويكون به الاخوة الصادقة والمحبة المطلقة. واما العرضى فهو الذى ليس بخلقي ولا معتاد لصاحبه ولاشك انه منقطع والمحبة العارضة عنه محبة عرضية مقيد دوامها بدوامه باقية ريثما هو باق وفيها زيادة ونقصان من طرفي المحسن والمحسن إليه، فان محبة المحسن تكون أشد من محبة المحسن إليه: واعتبر ذلك في المقرض والمستقرض تجد المقرض اشد محبة للمستقرض منه للمقرض وربما كان داعيا له بالبقاء وسبوغ النعمة والكفاية وان كان كل ذلك ليصل الى حقه وليعود إليه ماله لا لمحبة خالصة، واما المقرض فليس له هذه الهمة ولا ذلك الدعاء ولكن يكون شهوته الى الاحسان ومحبته له أشد من محبة المحسن. وإذا عرفت ذلك فمثل هذا الاحسان وان كان قاطعا للسان الا ان قطعه ليس بدائم ولا مستمر بل هو موقوف على دوام الاحسان، وقد يتفق لمثل هذا المحسن ان لا تنقطع عنه الالسنة عند وقوف الخلق واطلاعهم على ان ذلك الاحسان عرضى. ________________________________________ (1) - ج د: " من ". (2) - اب: " برئ انه " د: " من ان ". ________________________________________