[ 200 ] لا وسيلة الى حصول الشفاعة اسرع من التوبة إذ كانت النعمة المفاضة على العبد المذنب من ربه غير موقوفة الا على قبوله واستعداده بتحققها. واما بمعنى الصواب فلانه لا شفيع أصوب في قبول الرحمة من واهبها من التوبة إذ كان التوسل بغيرها من بذل مال أو نفس في مجاهدة ظاهرة أو غير ذلك مع الاصرار على المعصية وعدم التوبة منها غير نافع ولا مخلص من العذاب الحاصل بسبها فالتوسل بها إذا أصوب رأى يراه صاحب الجريمة وقد اكثر الله تعالى في تنزيله من الحث عليها والامر بها ومن وعد التائب وحمده إذ كانت التوبة سببا عظيما من أسباب السعادة الابدية وبها النجاة من اغلال الهيئات المردية فقال عز ذكره: يا ايها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا (1) بترك محقق وندم صادق وعزم جاز عسى ربكم ان يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الانهار (2) إرجاء واطماعا من غير جزم ايقاعا للذة الدغدغة النفسانية الحاصلة من الرجاء كيلا - ييأسوا من رحمته فينهمكوا في المعاصي بجرأة (3) وبقاء للخوف الناشئ من الوعيد عليها بالاشفاق فيتقهقروا عنها بسرعة، وقال تعالى: انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب (4) قبل ان يتمكن من جواهر نفوسهم عقارب ابدانها فلا يبقى لها قبول اثر دواء طبيب الاطباء ولا يرجى لها برء ولاشفاء، وليست التوبة للذين يعلمون السيئات حتى إذا حضر احدهم الموت قال انى تبت الان ولا الذين يموتون وهم كفارا، الاية (5). وفى هذه الكلمة تنبيه باعث على المبادرة الى التوبة إذ كان الجاني انما يجتهد في انجح وسيلة لاستسماح جريمته وتنجيز أظفر شفيع لاستغفار خطيئته ويبالغ في احسن الاعذار لمحو سيئته وقد ثبت ان التوبة اعظم شفيع وانجحه واسرعه وانفعه فيما ان بقى كان مهلكا ________________________________________ (1) صدر آية 8 سورة التحريم. (2) - من بقيه آية 8 سورة التحريم. (3) ب: " بجراءة. (4) - صدر آية 17 سورة النساء وذيلها: " فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله حكيما عليما ". (5) - آية 18 سورة النساء. ________________________________________