[ 203 ] صناعية لا يمكن ان يقوم بها صانع واحد الا في مدة لا يمكن ان يبقى بدونها أو يتعسر ان امكن بل لابد من جماعة يتشاركون ويتعاونون على تحصيل تلك المنافع ويتعارضون ويتعاوضون وكان هذا التعاون لايتم الا ان بان يكون بينهم انس طبيعي قضاء للعناية الالهية بهذا العالم ومنه اشتق اسم الانسان في اللغة فواجب على الانسان إذا ان يكتسبه مع أبناء الجنس ويحرص عليه بالجهد والطاقة ولانه ايضا مبدأ المحبة الواجبة التى هي سبب السعادتين إذ كان كل شخص يرى كماله عند الاخر فلولا ذلك لم يتم السعادة بينهم فيكون كل انسان بمنزلة عضو من اعضاء البدن وقوام الانسان بتمام بدنه، وانما وضعت الشريعة والعادة الجميلة اتخاذ (1) الدعوات والاجتماع في المأدبات (2) لتحصيل هذا الانس بل لعل الشريعة انما حثت الناس على الاجتماع في المساجد وفضلت صلوة الجماعة على الصلوة المنفردة ليحصل لهم هذا الانس بالفعل إذ كان حاصلا فيهم بالقوة، ثم يتأكد فيهم بالاعتقادات الصحيحة الجامعة لهم وينبهك على ان مطلوب صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله ذلك انه أوجب على اهل المدينة كلهم ان يجتمعوا في كل اسبوع يوما معينا في مسجد يسعهم ليجتمع ايضا شمل المحال والسكك كما اجتمع اهل الدور والمنازل في كل يوم، ثم أوجب ان يجتمعوا في كل سنة مرتين في مصلى بارزين مصحرين ليجمعهم المكان ويتزاوروا ويتجدد الانس بين كافتهم ويشملهم المحبة الناظمة لهم. ثم أوجب بعد ذلك ان يجتمعوا من البلدان في العمر كله مرة واحدة في الموضع المقدس بمكة ولم يعين من العمر وقتا مخصوصا ليتسع لهم الزمان فيجتمع اهل المدن البعيدة كما اجتمع اهل المدينة والواحدة ويصير (3) حالهم في الانس والمحبة وشمول الخير وافاضة الرحمة والسعادة بحسب انفعالات نفوسهم واستعدادها الصادرة عن ذلك الاجتماع على غاية من الكمال لا يحصل لهم بدونه وكان هذا الانس لايتم الا بالحديث المستطاب ________________________________________ (1) - ب: " اتحاد " (بالحاء والدال المهملتين) ج د: " ايجاد " (بالجيم والدال " ولعله: " الاجابة ". (2) - ا: " الماديات " ج د: " المناديات " لكن المأدبة جمعها المعروف " المآدب ". (3) - ا: " تصير ". ________________________________________