[ 204 ] بالمشاورة في الامور والاطلاع على بعض الاسرار التى لا تضر اذاعتها ليتم بذلك أنس المستشار وتسكن نفسه ان لو كان لها نفار وتنبسط ولا تنقبض قال عز من قائل تأديبا لنبيه بالادب الجميل: وشاورهم في الامر (1) ولتوسع (2) المفاكهة (3) المحبوبة والمزاح المستعذب الذى يقدره العقل حتى لا يتجاوز الى الاسراف فيها فيسمى ذلك الاسراف مجونا وفسقا وخلاعة وشبهها من أسماء الذم، ولا يقصر فيه فيسمى ذلك القصور فدامة (4) وعبوسا وشكاسة وما اشبهها من طرف التفريط المذموم بل يتوسط بينهما فيسمى ذلك المتوسط ظريفا معاشرا هشا بشا، وإذا عرفت ان المشورة من اجل اسباب تحصيل الانس المطلوب من الخلق عرفت انها مطلوبة. ثم انه عليه السلام نبه على وجوب اتخاذها والمواظبة عليها بانه لا صواب في فعل يفعل بدونها لما ان تصرفات الخلق اما أقوال أو أفعال، وإذا كان الجميع موقوفا على المشورة بأمره وأشارته فلابد وان يستجيبوا عند دعائه لهم إليها فتارك المشورة إذا مخطئ إذ ضيع سببا عظيما من أسباب الفضائل التى يجب طلبها، والمخطئ غير مصيب فتارك المشورة غير مصيب وان تصور بصورة المصيب. الثاني - ان تارك المشورة في اموره غير مصيب في أغلب أفعاله ومقاصده فهو إذا أخطأ كان ملوما ولعله يكون مأثوما، إذ كان المستشار العاقل كثيرا ما يكون مطلعا على وجوه من مصالح ذلك الفعل المستشار فيه اما بحسب تجربته أو بحسب قوة عقله وجودة حدسه بحيث لا يكون مثل ذلك الاطلاع حاصلا للمستشير والسبب الاكثرى في الغلط ان الوهم الانساني في غالب الاحوال وأكثرها لابد وان يحكم بترجيح أحد طرفي الامر المتردد فيه المطلوب فيه الاستشارة بغتة (5) قبل مراجعة العقل وانما كان الصواب في الطرف الاخر عند الفكر والتحديق فإذا (6) فعل بين (7) له بعد ذلك ________________________________________ (1) - من آية 159 سورة آل عمران. (2) - ب ج د: " ولتوضح ". (3) - ا: " المكافهة " (4) - يقال: " فدم الرجل فدامة وفدومة كان فدما وهو العيى عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلة فهم وفطنة ". (5) - ا: " بعثه " ج د: " بعينه ". (6) - ج د: " وإذا ". (7) - ب ج د: " تبين ". ________________________________________