[ 279 ] السلام فما بايع له المأمون الا مستبصرا في أمره عالما بانه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلا ولا أظهر عفة، ولا اورع ورعا ولا أزهد زهدا في الدنيا، ولا اطلق نفسا ولا ارضى في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات منه، وان البيعة له لموافقة رضى الرب عز وجل، ولقد جهدت وما أجد في الله لومة لائم، ولعمري ان لو كانت بيعتى معه محاباة لكان العباس ابني وسائر ولدى احب الى قلبى وأجلى في عينى، ولكن أردت أمرا وأراد الله أمرا، فلم يسبق امرى أمر الله. وأما ما ذكرتم مما مسكم من الجفاء في ولايتى، فلعمري كان ذلك الا منكم بمظافرتكم عليه، ومما يلتكم اياه، فلما قتلته تفرقتم عباديد فطورا اتباعا لابن أبى خالد، وطورا اتباعا لاعرابي، وطورا اتباعا لابن شكلة، ثم لكل من سل سيفا علي، ولو لا ان شيمتي العفو وطبيعتي التجاوز ما تركت على وجهها منكم أحدا، فكلكم حلال الدم محل بنفسه. وأما ما سألتم من البيعة للعباس ابني، أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير، ويلكم ان العباس غلام حدث السن، ولم يؤنس رشده ولم يمهل وحده ولم تحكمه التجارب، تدبره النساء وتكفله الاماء، ثم لم يتفقه في الدين، ولم يعرف حلالا من حرام، الا معرفة لا تأتى به رعية، وتقوم به حجة، ولو كان مستاهلا قد احكمته التجارب، وتفقه في الدين، وبلغ مبلغ أمير العدل في الزهد في الدنيا وصرف النفس عنها ما كان له عندي في الخلافة الا ما كان لرجل من عك وحمير (1) فلا تكثروا في هذا المقال، فان لساني لم يزل مخزونا عن امور ________________________________________ (1) قال العلامة المجلسي: والعكة: الاناء الذى يجعل فيه السمن والحمير: في بعض النسخ بالخاء المعجمة وهو الخبز البائت والذى يجعل في العجين. وقال بعض: هما قبيلتان من القحطانية. ________________________________________