@ 346 @ أوثقهما ؟ سواء كان من أهل المدينة أو من أهل الكوفة ، وكان أهل التخريج منهم يخرجون فيما لا يجدونه مصرحاً ، ويجتهدون في المذهب ، وكان هؤلاء ينسبون إلى مذهب أصحابهم فيقال : فلان شافعي ، وفلان حنفي ، وكان صاحب الحديث أيضاً قد ينسب إلى أحد المذاهب لكثرة موافقته لهن كالنسائي والبيهقي ، ينسبان إلى الشافعي ، فكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء إلا مجتهد ، ولا يسمى الفقيه إلا مجتهد ، ثم بعد هذه القرون ، كان ناس آخرون ذهبوا يميناً وشمالاً - وحدث فيهم أمور ، منها الجدل والخلاف في علم الفقه . وتفصيله - على ما ذكره الغزالي ، أنه لما انقرض عهد الخلفاء الراشدين المهدبين ، أفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام ، فاضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء ، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم ، وقد كان بقي من العلماء من هو مستمر على الطراز الأول ، وملازم صفو الدين ، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا ، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء ، وإقبال الأئمة عليهم ، مع إعراضهم ، فاشر أبوا بطلب العلم توصلاً إلى نيل العز ، ودرك الجاه ، فأصبح الفقهاء ، بعد أن كانوا مطلوبين طالبين ، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين ، أدلة بالإقبال عليهم ، إلا من وفقه الله . وقد كان من قبلهم قد صنف ناس في علم الكلام ، وأكثروا القال والقيل ، والإيراد والجواب ، وتمهيد طرق الجدل ، فوقع ذلك منهم بموقع من قبل أن كان من الصدور والملوك من مالت نفسه إلى المناظرة في الققه ، وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله ، فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله على الخصوص ، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع ، وتقرير علل المذهب ، وتمهيد أصول الفتاوى ، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات ، وهم مستمرون عليه إلى الآن ، لسنا ندري ما الذي قدر الله تعالى فيما بعدها من الأعصار ، انتهى حاصله . ومنها : أنهم اطمأنوا بالتقليد ودب التقليد في صدروهم دبيب النمل ، وهم لا يشعرون . وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم ، فإنهم لما وقعت فيهم المزاحمة في الفتوى ، كان كل من أفتي