@ 347 @ بشيء نوقض في فتواه ورد عليهم ، فلم ينقطع الكلام إلا بمصير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة . وأيضاً جور القضاة ، فإن القضاة لما جار أكثرهم ، ولم يكونا أمناء لم يقبل منهم إلا ما لا يريب العامة فيه ، ويكون شيئا قد قيل من قبل . وأيضاً جهل رؤوس الناس ، واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث ، ولا بطريق التخريج كما ترى ذلك ظاهراً في أكثر المتأخرين ، وقد نيه عليه ابن الهمام وغيره ، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيها . ومنها : أن أقبل أكثرهم على التعميات في كل فن ، فمهم من زعم أنه يؤسس علم أسماء الرجال ، ومعرفة مراتب الجرح والتعديل ثم خرج من ذلك إلى التاريخ : قديمة وحديثه . ومنهم من تفحص عن نوادر الأخبار وغرائبها ، وإن دخلت في حد الموضوع . ومنهم من أكثر القال والقيل في أصول الفقه ، واستنبط كل لأصحابه قواعد جدلية ، فأورد فاستقصى ، وأجاب وتفصي ، وعرف ، وقسم ، فحرر ، طول الكلام تارة ، وتارة اختصر . ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصور المستبعدة التي من حقها أن لا يتعرض لها عاقل ، وبفحص العمومات والإيماءات من كلام المخرجين فمن دونهم ، مما لا يرتضي استماعه عالم ولا جاهل . وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق ، قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في الملك ، وانتصر كل رجل لصاحبه : فكما أعقبت تلك ملكاً عضوضاً ، ووقائه صماء عمياء ، فكذلك أعقبت هذه جهلاً واختلاطاً وشكوكاً ووهماً ما لها من إرجاء . فنشأت بعدهم قرون على التقليد الصرف ، لا يميزون الحق من الباطل ، ولا الجدل عن الاستنباط . فالفقيه يومئذ هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء ، قويها وضعيفها ، من غير تمييز ، وسردها بشقشقة شدقيه . والمحدث من عد الأحاديث ، صحيحها وسقيمها ، وهذها كهذا الأسماء بقوة لحييه . ولا أقول ذلك كلياً مطرداً ، فإن لله طائفة من عباده ، لا يضرها من خذلهم ، وهم حجة الله في أرضه ، وإن قلوا . .
( ( ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة ، وأوفر تقليداً ، وأشد انتزاعاً للأمانة