ـ(46)ـ
نصوص التقية التي تكرس هذا البعد التقريبي الوحدوي وثمة مبدأ آخر غفل عنه كثير من الباحثين هو مبدأ التعايش بين المسلمين. وقد نادى أهل البيت (عليهم السلام) بهذا المبدأ وهو من خصائص مدرستهم. هناك تيارات الخوارج وتيارات الجهاز الحاكم وتيارات الانتهازيين وتيارات الثوريين المنتسبين لأهل البيت (عليهم السلام) مثل الزيدية الذي تبناه بعد ذلك الحسنيون بعد زيد وأولاده وتمتاز مدرسة أهل البيت بين كل هذه التيارات بدعوتها إلى مبدأ التعايش السلمي بين المسلمين، ونرى مصاديق هذا المبدأ في دعوة أهل البيت للاشتراك في صلوات الجماعة وزيارة المرضى والاهتمام بالأمور الاجتماعية مثل تشييع الجنائز والوفاء بالعقود وغيرها من المسائل التي دعوا المسلمين جميعاً إليها، من أجل أن يؤكدوا مسألة التعايش. وهذا مبدأ مهم لم يدرس بشكل كامل مع الأسف في أبحاثنا السياسية والاجتماعية.
لقد تبنى أمير المؤمنين (عليه السلام) مبدأ الحرية السياسية ومبدأ التعددية السياسية في المجتمع الإسلامي، وهو تَبَنٍّ فريد يمتاز به عن بقية الحكام وظل أهل البيت يتبنون هذا الرأي. وهي ظاهرة سياسية مهمة. فالإمام يعتقد أن الخوارج على خطأ، وأن الزبير وطلحة وأم المؤمنين عائشة على خطأ في موقفهم، لكنه لم يتخذ موقفا قمعياً لإسكاتهم، وإنما ترك لهم الحرية في أن يتحركوا. وكان يكتفي بإدانة مواقفهم وبقوا يتحركون حتّى رفعوا السلاح بوجه الإمام علي (عليه السلام)، عندئذ لجأ إلى ما يحافظ على وحدة المسلمين. وأئمة أهل البيت تبنوا أيضاً مقولة: لا ستسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن الجور إلاّ علي خاصة، وهي مقولة ذات دلائل وحدوية وهذه هي مبادئ التشيع وأفكاره وفي تاريخنا القديم والحديث صورة كثيرة تعبر عن الموقف العملي لهذه الحالة الوحدوية. والنجف في التاريخ المعاصر عبرت عن هذا الاتجاه من خلال مواقف كثيرة منها: