الاقليات الاسلامية وامتهم الحقوق والواجبات

الاقليات الاسلامية وامتهم الحقوق والواجبات

 

 

الاقليات الاسلاميةوامتهم الحقوق والواجبات

 

الأستاذ الدكتور عمّار جيدل

جامعة الجزائر

 

يراد بالأقليات في سياق هذا البحث المجموعات البشرية المسلمة – جزء من الأمة الإسلامية - التي تعيش في بيئة دينية وفكرية وأدبية مخالفة للدين الإسلامي، وهي بعبارة  أخرى المجموعات المسلمة التي تعيش في بيئة غير إسلامية في جميع  تجليات حياة أفرادها وجماعاتها ونظمها ، فلا اعتبار  في هذا الوسط للإسلام في العلاقات العامة أو العلاقات الاجتماعية فضلا عن العلاقات الفردية، بل يتعداه أحيانا إلى عدم الاعتراف للمسلمين بأعيادهم؛فلا يمنحون حق العطلة في أعيادهم الدينية، رغم كونها من الحقوق الأساسية للإنسان، هذا فضلا عن قلّة أو انعدام المساجد والمراكز التي تسهم في تنشئة أبناء المسلمين  تنشئة إسلامية في حدودها المعروفة بالضرورات الدينية الصرف – فقه الفروض- على الأقل.

لهذا لا يمكن حصر الأقليات الإسلامية في المجموعات البشرية المسلمة أصالة أي التي وفدت على البلاد المخالفة من أصول إسلامية تاريخا وجغرافيا، بل المراد كل المجموعات البشرية التي تدين بالإسلام وكانت أقلية في بيئتها سواء وفدوا على تلك البلاد من بلاد المسلمين أو كانوا من السكان الأصليين لبلاد غير بلاد المسلمين يمثلون فيها أقلية دينية، ذلك أنّه يجب على الأمة أن ترعى منتسبيها  بصرف النظر عن أصولهم العرقية، ترعاهم في تعليمهم الديني ولا سيما تكوينهم القاعدي في الدين نفسه؛فتسعى  جاهدة – بالوسائل المتاحة –إلى  تحقيق مقصد تحقيق التكوين القاعدي وتطعيم أبنائها ضد التيارات الإلحادية والإباحية وما شابهها.

السعي إلى تحقيق هذا المسعى يفرض تضافر جهود كثير من المتخصصين في الدراسات النفسية والتربوية والاجتماعية فضلا عن المتخصصين في الشريعة الإسلامية، ولا يتأتى بلوغ المرام ما لم يؤطّر هذا المسعى برؤية إستراتيجية يقوم على توجيهها مجموعة من الرساليين الذين يهيمن على عقولهم وقلوبهم مستقبل الأمة، وبذلك نمنع من وقوع أمر الأمة في أيدي المجانين من كل طرف، ذلك أنّ استحواذ  المجانين على مقاليد التوجيه، سيعرّض حاضر الأمة ومستقبلها إلى زلزال عنيف لا يبقي ولا يذر، بل سيفتن المنتسبين فضلا عن غير المنتسبين، ولو وقع الأمر بين أيديهم لاستوردوا لتلك البيئة المخالفة مشاكلهم التاريخية وعاشت تلك الأقليات مشاكل هامشية تاريخية تضيّع أصول الدين وفروعه، وتسهم في صناعة وعي مزيّف أو تزييف وعي إن وجد.

تمثّل ساحة مجتمع الأقليات  مجتمع الدعوة وفق إصطلاح المتقدمين([1])، ويفرض التبليغ عن الله في مثل هذه البيئة الاستفادة من الكفاءات العلمية الرسالية المتمتّعة بهمّ رسالي كبير مع حضور ثقافي عظيم تؤطّره خبرة طويلة، تيسّر له الكشف بدقة عن استحقاقات اللحظة الحضارية الراهنة في دنيا الأقليات، ويفرض التحديد الدقيق للاستحقاقات  تضافر جهود مجموعة لا يستهان بها من المتخصصين في الدراسات الإستراتيجية والدراسات المستقبلية(الاستشرافية) إضافة إلى العلوم ذات الصلة كعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة والسياسة والاقتصاد فضلا عن المتخصصين في العلوم الإسلامية (علوم الشريعة الإسلامية)، تسند إلى هذه المجموعة مهمة وضع إستراتيجية تحرك العمل الإسلامي للأقليات الإسلامية في العالم، طبعا غني عن التأكيد أنّ الخطة الناجحة تفرض إشراك أهل الديار – الأقليات - في وضع تصوّر قضاياهم وحلولها، إضافة إلى إشراكهم في تنفيذ برامج الإصلاح المقترح، ولا نستورد لهم حلولا لا صلة لها بتفكيرهم أو فهمهم للمعطيات، فهم أهل الدار وهم من يعيش المعطيات ويكابد مشاكل الواقع وبالتالي هم أولى بوضع التصورات ومباشرة الحلول.

 

 أولا : واجب الأمة تجاه الأقليات

يتعيّن على ثقات علماء الأمّة الإسلامية الحرص على أن لا يقع التوجيه في موطن الأقليات بين أيدي المجانين المشغولين بما يفرق الأمة، أولئك الذين أسروا أنفسهم في خبرة معرفية ليس من غرض يرجى منها سوى تمزيق وحدة الأمة، ذلك أنّ التوجيه لو وقع بين أيدي أمثال هؤلاء من مجانين من كل طرف لرموا الأمّة ومستقبلها في  البحر، فيصبحون مضرب الأمثال في الغفلة عن استحقاقات اللحظة الراهنة وأضحوكة الزمان بين الأمم المخالفة.

ولا شكّ أنهّم ما مكّنوا من التحكّم في مفاصل توجيه الأقليات إلا بسبب غفلة بعض العلماء عن القيام بدورهم الحضاري المنتظر، أو لاختصارهم الدين في تمتمات تردّد هنا وهناك أو مذاهب تلغي الدين في مقاصده الكلية، فامتدّت الفروع عندهم على حساب الأصول، وإذا غيّبت الأصول التي تصنع وعينا بالكون والحياة وتمدّ تصرفاتنا بالعناصر الإنسانية فإننا سنتحوّل بالأمة على وحوش ضارية لغتها البطش باليد والناب والمخلب ...

يؤكّد أحد علماء الجزائر هذا المعنى بقوله:" الذنب في ذلك كله في عنق علمائه... فهموا الدين قشورا وصدفوا عن اللباب، وتركوا قيادة الأمّة فأضاعوا الأمانة، وصرفوا الأمّة بتعليمهم عن معاني الدين الجليلة، فأصاروها إلى الألفاظ، فهي تسبح منذ قرون في بحر من الألفاظ لا ساحل له."([2])

يتحمّل العلماء مسؤولية تمكين هذا النمط من المغفلين من القرار التوجيهي، والمهمة المستعجلة تفرض التنبيه إلى ضرورة إرجاعهم إلى الصفوف الخلفية، فيبعدون من ضمير الأمة في  مقام التوجيه وصناعة الوعي، وبهذا السياق أقترح مجموعة من السمات التي أرى أنّها ضرورية للموجّه المقترح في بلاد الأقليات الإسلامية، وهي في حقيقة الأمر لا تختلف عن الشروط المطلوب توفّرها عن الموجّه بصفة عامة، ولكن ظروف مجتمع الأقليات يفرض ضوابط أكثر وهو ما نحاول بيانه في الفقرة اللاحقة.

 

السمات العامة للموجّهين في بلاد الأقليات:

 1 – الصلاح في أنفسهم:([3]) أن يكون الموجه صالحا في نفسه، أو على الأقل من العاملين على إصلاح أنفسهم قبل كلّ شيء، إذ لا يصلح غيره من لم يصلح نفسه؛ فتكون السمة الأخلاقية بادية في التصرفات الاجتماعية والتربوية وغيرها.

2 – التكمّل بالعلم: السعي المستمر لتحصيل معارف جديدة تكمل نقائصهم العلمية والتربوية، فيكون على حالة دائبة من الحيوية التي توجب تمحيصا مستمر للمعارف وسعيا شاغلا للوقت في التحصيل وفق ما ييسّر لهم القيام بمهمة التوجيه على أكمل وجه.

3- استكمال المؤهلات التثقيفية:  استكمال مؤهلاتهم التثقيفية حتى يصلحوا لتثقيف غيرهم، إذ ما كل مثقف يكون أهلا لأن يثقف. وإذا كان المثقفون قبل اليوم في حالة إهمال فحالتهم إذا هيّأوا أنفسهم للقيام بواجب التثقيف والتبليغ تستلزم اهتماما آخر واستعداداً جديدا، ذلك أنّنا لا  نطمع في زيادة عدد المثقفين إلاّ إذا زاد شعور الأمة بضرورة التثقيف، وتهيّأت أسبابه أكثر مما هي متهيّئة الآن. ولا نطمع في زيادة الكيفية إلاّ إذا توحّدت طرائق التثقيف وجرت على ما يوافق روح الأمة في دينها وعقائدها الصحيحة وتاريخها ولغتها وجميع مقوماتها، واتّحدت الأهواء المتعاكسة واتفقت المشارب المختلفة في الأمة وصحّت نظرتها للحياة وصحّ اختيارها لطرقها المناسبة لوجودها"([4])

4- العناية بالخبرة: يسعف تراكم الخبرة المعرفية والتثقيفية والمهنية- وحتى الحياتية - في تيسير استيعاب المشهد بجميع تجليات ومكوناته - الثقافية والتربوية والسياسية والتربوية والحضارية والرياضية...-  ومن ثمّ تحديد استحقاقات اللحظة الراهنة في بيئة الأقليات.

5 – أن يكون اجتماعيا: ليس المطلوب أن يكون اجتماعيا في الإطار المذهبي أو المدرسي الضيّق، بل المراد أن يكون ميّالا إلى المشاركة الاجتماعية لمجتمع الموالفين والمخالفين في الملة على حدّ سواء، أي أن يكون صاحب نزعة اجتماعية ظاهرة، تيسّر له التفاعل الاجتماعي السريع مع مجتمع المتلقين -الدعوة - فضلا عن مجتمع الاستجابة-الموالفون في الملة-، وغني عن التأكيد أنّه يطلب أن يكون من المقبولين اجتماعيا في جميع التيارات الدعوية في مجتمع الأقليات،  أو أن يكون على الأقل مقبولا عن جمهورهم.

6- أن يتميّز بقدر من النباهة الرسالية: لا تنفع الميزات السابقة الشخص ما لم يتمتّع بنباهة تتجاوز مجرد المعارف التي تحشى بها الرؤوس ويتباهى بها في المجالس، النباهة اقتصاد في الطاقات والأوقات وشعلة ذكاء تسعف في ترتيب الأوليات، فتبتعد بالاجتماع عن الفضول واللغو،  وتؤسس للاهتمام بأصول ما يقيم مجتمع الأقليات على هدي الدين الحنيف في توجيهاته الأخلاقية على الأقل.

 

أهمية هذا النمط من الموجهين :

يعدّ توفير إطارات من هذا المصاف في بلاد الأقليات جالبا لنفع لا حصر له، لا يتوقف أثره على حاضر الأمة فسحب، بل يتعداه، إذ سيكون أثر محمود في مستقبل الأمة من خلال تمكين خطاب جديد من نفسية أتباع كل مجموعة مذهبية أو مدرسية، ولعلّ على رأس ما يستفاد منه، ما موجزه النقاط الآتية:

1 - الاقتصاد في الطاقات:

يسهم اختيار الطاقات البشرية الرسالية الواعية في صرف الطاقات الإسلامية فيما يفيد الأمة، فيكون جهدهم قيمة مضافة في المسار العام للأمة في بلاد المخالفين، فتكون مكاسبها ذات أثر طيّب على حاضر الأمة ومستقبلها، ولم يكن منها إلا منع الطاقات من أن تصرف فيما يفرّق لكانت حريّة بالعناية.

2 - الاقتصاد في الأوقات:

سيكون التخطيط الذي يشرف على وضعه وتنفيذه رساليون خير درس تطبيقي لصرف الطاقات فيما ينفع الأمة، ذلك أنّ أمتنا في مجتمع المخالفين تصرف طاقات فيما لاطائل منه من الأعمال، بل الأدهى أن يكون سببا في الفرقة والتناحر، فشغل المنتسبين إلى خط الإيمان فيما ينفع أحسن استثمار للأوقات.

3- فرصة للتواصل بين الموالفين في الملة:

يوفّر وقوع أمر التوجيه بين أيدي موجهين من هذا الطراز فرصة عظيمة للأتباع للتواصل نسجا على ما يرونه من تصرفات القيادة الاجتماعية الراشدة، لهذا يعد وقوع التوجيه بين أيديهم أحسن طريقة للاستثمار التربوي المفضي إلى التواصل الحقيقي بين الأفراد  المكونين لمجتمع الأقليات بصرف النظر عن مذاهبهم ومدارسهم الفقهية، فرصة التواصل بين أفراد الأقليات الإسلامية متاحة إذا ساهمت الأمة من خلال قادتها الفكريين في التأسيس للنسب الإيماني بوصفه صلة رحم بين المؤمنين يسألون عن حقها يوم القيامة، هل فيما من يتساءل عن هذا الحق؟ وإذا لم نتساءل، لماذا غيّب السؤال عن حقّ هذا النسب في مجتمع الأقليات؟ وقبل كلّ ذلك هل أدينا حق هذا النسب توجيها وموالاة ونصح وتضامن ؟أم أننا ما زلنا أسرى، بل صرعى الرؤى المذهبية؟

4- التركيز على ما يجمع كلمتهم في المرافعة عن حقوقهم :

يجمع المسلمين في بلدانهم الأصلية أصول دينهم التي كانت ومازالت منبع صناعة وعيهم بالكون والحياة، ليس هذا فحسب، بل كانت ومازالت أساس العناصر الإنسانية في تصرفاتهم الخاصة والعامة الفردية والاجتماعية، حتى ليغدو الغافل عنها سادر في بحر متلاطم من المعاصي، فالغفلة عن تلك الأسس يجعل من الغافل أقرب إلى البهائم في رغباته وتصرفاته، لهذا كانت تلك المبادئ الإيمانية والتكاليف الشرعية اصل يتعيّن العناية به والتركيز عليه في صناعة وعي مشترك بالكون والحياة بل وحتى تحديد استحقاقات اللحظة الراهنة في مجتمع الأقليات، ولا يتوقّف السعي عند هذا الحد، بل يتعداه إلى التفكير في كل ما من شأنه أن يحد من محاولات الإفساد المسلّطة عليهم، فيشتركون بصفة المجموعة المتلاحمة في الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يحد من خطورة المؤامرات المسلّطة عليهم بوصفهم مجموعة لا بوصفهم كيانات مذهبية، ذلك أنّ قبول بعض الأقليات إقصاء البعض الآخر منها تأسيس مبطّن لقبول إقصاء الجميع في قابل الأيام.

5– تفعيل قانون المحبة الإيمانية بين الأتباع:

لا يصنع التواصل بين الموالفين في الملة بالخطب الرنانة والشعارات الجوفاء أو المهرجانات، ذلك أنّه ثقافة تشرّب بها القلوب وتسلم بضرورتها العقول السليمة، وهي في آخر خلاصة لها ثقافة تصنع، يسهم الجميع في صناعتها، فيتحوّل مشروع التقارب بين الأتباع إلى مشروع محبّة يسقى بالعناية والرعاية المستمرة، فتتعهّد بذرتها بالصيانة والحماية والسقاية المستمرة، إضافة إلى اجتثاث كل الجراثيم الفكرية الضارة التي قد تقتلع جذورها أو تضعف مناعتها، أمة هذا شأنها يعمل أفرادها على تجاوز عقلية التهويل والتهوين في ذات الوقت، فلا تقبل الأمة –على تنوّع مذاهبها- أن يمر مشروع  اقتلاعها في مجتمع الأقليات دون التفكير في مواجهة حملة الاجتثاث على الأقل، ولا يتأتى أن تمكين هذا النمط من التفكير من العقلية الجمعية للأمة ما لم تصبح المحبّة قانونا ساريا في كل التصرّفات، ذلك أنّ "الرباط الجامع للأمم هو المحبّة، فإذا خلصت المحبّة بين أفراد الأمّة تمحّض الخلاف على أحسن ثمراته، واختلاف الرأي-كما يقول شوقي- لا يفسد للودّ قضية.كلّ ما هو موجود بين المسلمين من خلاف وفتن وشرور هو مرحلة طبيعية للأمم في الأطوار الأولى من نهضاتها، فلا يهولننا أنّ هذا الشيء خصصنا به، ولا يثبطنّنا هذا عن الاستماتة في علاجه والعمل متضافرين على إزالته بالتدرّج، لأنّ أوّل مراحل النهضة هو آخر مراحل الانحطاط"([5]).

6- حسن استثمار الظروف:

الأمة الفعّالة بمبادئها وأفكارها هي الأمة التي تؤسس تصوراتها وفق توجيهات الأصول وتنضبط في تصرفاتها بما جاءت به، فيكون بمقدروها تحويل الظروف السلبية إلى قوة دفع جديد، وتلك هي الأمة السعيدة التي قال عنها العلامة الجزائري محمد البشير الإبراهيمي(رحمه الله):"إذا هيّأ الله أمّة للسعادة جرّ إليها الخير بأسباب من الشرّ، وساق إليها النفع بوسائل الضرّ، ومرّ بها إلى الحق على قنطرة الباطل، وجعل الخلاف فيها ممكّنا للوفاق، والتضاد في أعمالها مثبّتا للائتلاف، وذلك بتوفيق  المتخالفين، إلى أن يكون الخلاف خلافا في الوسائل لا في الغايات، والاتجاه  إلى هدف واحد."([6])

7 - يبعد الشخصيات القلقة المضطربة من مقام التوجيه:

بتولي التوجيه شخصيات بالمواصفات الآنفة الذكر، تقطع الطريق عن الشخصيات المضطربة القلقة، ذلك أنّ الشخصيات القلقة كثيرا ما يراهن عليها المخالف في الملّة من أجل شقّ الصفوف و تفتيت وحدة الأمة، والتجارب الإنسانية العامة والخاصة، تؤكّد أن مقصد تفجير وحدة الأمة كان الرهان فيها غالبا على مثل هذا النوع من  الشخصيات.

 

المهمات المستعجلة:

 1 - المساجد وملحقاتها:

معلوم أن المساجد دور هي دور العبادة عند المسلمين، والعبادة هي قول جامع لكل ما يرضي الله، من ثمّ كان المسجد مجسدا لمهمة التذكير والتعريف بالعبادات، وهو من هذه الزاوية يحقق مقاصد تبعية لعلّ على رأسها التعارف بين رواد المسجد ثم التقارب فالتآزر والتضامن في الظروف العادية وغير العادية، ولا يتأتى له تحقيق هذا المقصد ما لم يراع في برامجه ومحتوى خطابه حاجات رواد المسجد وظروفهم، وتحقيق هذا المسعى يفرض مساهمة قدر غير قليل من الكفاءات في تحديد تلك حاجات الناس وأولوياتهم على مستوى الفعل الاجتماعي اليومي، فلا يتأخر الجواب عن السؤال، فتكون الخطب منسجمة والحاجات اليومية للمتلقين، سواء تعلّق الأمر بحاجاتهم المعرفية المتعلّقة بالعبادة بمفهومها الضيّق أو  تعلّق الأمر بأحداث قد تؤثر سلبا في مواقفهم من الأحداث اليومية، وهذا يفرض أن تكون المساجد في مجتمع الأقليات ملاذ أفراد الأقليات الإسلامية تربويا وفكريا  وحتى اجتماعيا وفق ما تسمح به قوانين البلد الذي تعيش فيه الأقلية الإسلامية.

يتعيّن تفعيل هذا المسلك في إطار المتاح القانوني الذي تسمح قوانين الدولة التي تعيش بها الأقلية، فنحن لم نستطع إلى الآن استثمار المتاح القانوني على أكمل وجه و أحسنه، ولو صرفت الطاقات المصروفة في المساحات غير المتاحة في المساحات المتاحة -وفق خط الرسالة- لدرّت على الأمة نفعا عظيما، ولو شغلنا بها وفق ما أشرنا إليه لأصبحت المساجد عامرة بالعلم والتوجيه وفق متطلبات الحاجة اليومية لمجتمع الأقليات ووفق ما ينسجم وظروف عملهم، فتكون منسجمة وبرامج عطلهم وحاجاتهم اليومية المتعلّقة بظروف بيوتهم وأسرهم وحاجات أبنائهم،  ولو سمحت الظروف المادية والقانونية لكان المسجد رائدا في التأسيس لثقافة رياضية وترفيهية هادفة.

2 – حركة تأليف جديدة:

لا يختلف عاقلان في  أن لظروف أفراد مجتمع الأقليات أثر كبير على مستوى تلقيهم للمعارف، ذلك أنّهم يخضعون في دوامهم في العمل لشروط مضبوطة صارمة، فضلا عن تنشئتهم العقلية التي تشرّبت بالاختصار والتركيز، مجتمع هذا شانه، هل يمكن أن نقدّم له مؤلفاتنا القديمة في تعلم الدين والخبرة المعرفية الإسلامية المتعلّقة بالمذاهب  والتيارات الفكرية، لو اكتفينا بتعليمه شؤون دينه على تلك الكتب لما كانت كثيرة نفع، بل قد تكون سببا في ترهيبهم من قراءة الدين والثقافة الدينية.

تخيّل أنّه طلب إليك إعارتهم كتابا في العقائد أو الفقه أو التربية، وإذا فوجئت بالطلب، توقّفت – قبل إجابة الطلب - وبدأت بالتفكير في الكتب الحريّة بالتقديم، وتوقّفك هذا دال بنفسه على وجود أزمة في المؤلفات التي تنسجم وحاجات ناس وظروفهم([7])، أزمة بمثل هذه الحدّة تستدعي تفكيرا جديا في الإجابة عن الطلبات المتزايدة لتعلّم الدين والثقافة الدينية في مجتمع الأقليات الإسلامية.

ولا يمكن أن نخلص إلى بغيتنا إلا إذا بعثت فينا حركة تأليف جديدة تراعي حاجات الناس وظروفهم من جهة وتتوخى وحدة الأمة الإسلامية من جهة أخرى، ولعلّ من فعالية المسعى التركيز على نمط كتب الجيب لعمليتها، فتناول كل كتب قضية مخصوصة أو مسألة معينة وفق ما ينسجم وعقلية المتلقين، ولهذا لا أحبّذ استيراد كتب الجيب التي ألّفت في البلاد الإسلامية لأهل تلك الديار، بل ينبغي السعي إلى مؤلفات خاصة بهم، ترعى عقلياتهم في الصياغة والاهتمامات، ذلك أنّ إسلام النفس للمؤلفات المستوردة ستفضي على الأقل إلى إقحامهم في نقاشات عقيمة لا فائدة ترجى منها في حاضر ومستقبل المسلمين في البلدان التي تعيش بها أقليات إسلامية.

 تحقيق هذا المسعى يلزمنا بالتثبّت في مجال المؤلفين الذين بوسعهم تحقيق هذا المقصد، فمن افتقد الرسالية والنباهة  في تصرفاته اليومية أو كان مصروف الذهن عن آلام الأمّة وآمالها لا يمكن أن يكون معلّما فيها، لهذا أؤكّد على استبعاد الشخصيات القلقة من مقام التوجيه، فضلا عن الشخصيات التي مالأت الأجنبي وتسعى جاهدة إلى تكييف ديننا أو خبرتنا الفقهية والكلامية والفكرية مع رغبته سواء كان غازيا أو غالبا وقتيا، وإذا أبعد هؤلاء من ضمير الأمة-وهو إقصاء معنوي وليس إقصاء ماديا- فمن باب أولى إبعاد – من ضمير الأمة- أولئك الذين يعملون على توطين الفكر الوافد والتأسيس لتمريره مشروعة بنصوص من الدين.

 

3 – تشجيع حركة الترجمة:

يعلم الباحثون أنّ الغالبية الغالبة من أفراد مجتمع الأقليات لا تحسن اللغات الأم([8])، لهذا لا تقرأ ما تجود به قرائح الباحثين في البلدان الإسلامية، وتجاوز هذا الخلل يفرض تشجيع ترجمة المؤلفات المختصرة المفيدة المركّزة التي بمقدورها تلبية حاجات الناس اليومية وفق ظروف حياتهم، ويمكن من باب التجارة المربحة تشجيع الاستثمار في ترجمة الكتاب المركّز النافع وهي ولاشك تجارة مربحة في الدنيا والآخرة.

ويمكن تفعيل هذا المسعى من قبل الدول الإسلامية ورابطة العلام الإسلامي، وذلك من خلال تذكير وزارة الأوقاف والتعليم العالي في البلاد الإسلامية بما يطلب منه تحقيقه لصالح إخوانهم في مجتمع الأقليات.

4 -  المراكز الثقافية وملحقاتها:

تصرّح البلدان الإسلامية أنّها تعمل جاهدة على التعريف بميراثها الثقافي وخبرتها السياسية والتربوية والحضارية، وأقصر طريق لتحقيق هذا المقصد تفعيل دور المراكز الثقافية الرسمية التابعة للبلاد الإسلامية في مجتمع الأقليات، وبلوغ المراد يفرض تجاوز النظرة التقليدية للثقافة ودورها في المجتمع فهي في آخر خلاصة لها تربية، ولتحوّلها عن القصد يقول العلامة محمد البشري الإبراهيمي:" أنبهكم إلى أنّ معنى الكلمة(الثقافة)في الذوق العربي يرمي إلى أنّ أساس الثقافة هو حسن التربية وصحّة الإدراك والتقدير للأشياء، وسلامة التفكير والاستنتاج العقلي واستقامة السلوك في معاملة الناس، ويرمي كذلك إلى اعتبار الأخلاق الفاضلة قبل كثرة المعلومات، ولعلّ هذه النقطة الأخيرة هي التي يختلف فيها النظران الشرقي والأوروباوي"([9])

فهل ترمي المراكز الثقافية التابعة للبلدان الإسلامية على تحقيق المعنى الأوربي للثقافة أم ترمي إلى تحقيق المعنى الإسلامي للثقافة؟ يجب إعادة النظر في مقاصد مراكزنا الثقافية، وإعادة النظر في الغايات يفرض ضرورة إعادة النظر في الوسائل المبلّغة إلى المراد.

التركيز في الثقافة على ما يصنع التميّز في النظرة إلى الكون والحياة، لا بالتركيز على الجوانب التي لا أثر لها على تصرفاتنا اليومية من جهة أنسنتها، نعم قد يكون لها أثر في معرفة جزئية تتعلّق بالعواطف الإثنية أكثر مما تعلّق بالعناصر التي تشحذ همما وتدفعنا للبذل والعطاء غير المحدود.

ينبغي أن تكون المراكز الثقافية معرفة بثقافة المجتمع الذي تمثّله ومساهمة تثبيت ثقافتها في قلوب المنتسبين إلى الوطن الأم، كما تعبّر في ذات الوقت عن الوحدة العامة بين المسلمين في ذات الوقت، وهذا يفرض استعمال كل الوسائل الثقافة المتاحة وفق ما تسمح به ظروف مجتمع الأقليات، فيعود المركز الثقافي وسطا تثقيفيا حقيقيا من خلال تفعيل إنشاء الفرق المسرحية والأناشيد والسينما و...، فضلا عن تعليم لغات  العالم الإسلامي ولاسيما العربية.

5 - الفضائيات المحلية:

تعمل الأمة من خلال السلط السياسية وأصحاب رؤوس الأموال على تمويل المحطات التلفزية المحلية – في أرض بلاد الأقلية- التي تهتم بشؤون الأقليات الإسلامية، يغلب على برامجها التعليم والتربية والتثقيف، وتبتعد قدر الطاقات عن كل ما من شأنه التأثير السلبي على مسارها وتحقيق مقاصدها، وتفعيل دورها تطلّب أن يقوم على وضع خططها وبرامجها وأهدافها المرحلية ومقاصدها الكلية خبراء رساليون، وفق ما ألمحنا إليه في مواصفات رجال هذه المهمة النبيلة.

ومحطّة هذا شأنها تساهم في التعريف بالدين الإسلامي والأمة والثقافة الإسلاميتين  إضافة إلى التعريف بالبلدان الإسلامية وحاجاتها، بل قد تكون –إذا احسن استثمراها وتسييرها- وسيلة مهمة لتفعيل دور الاستثمار في البلاد الإسلامية، فضلا عن جعلها وسيلة إعلامية فعّالة في الإشهار لصالح منتجاتنا المادية والمعنوية، وخير سفير للأمة وثقافتها.

6 - برامج تلفزية تهتم بشؤونهم في بلدانهم الأصلية:

ربط المشاهد المسلم في مجتمع الأقليات بفضائيات العالم الإسلامي ممكن إذا أحسن تسيير ملف العناية بهم على أكمل وجه، فتصرف الطاقات من أجل التعريف بهم أولا وتعريفهم بثقافتهم ثانيا-وفق ما ألمحنا إليه أعلاه-، ولا شك أنّ هذا متاح، إذ بمقدورنا إنجاز تحقيقات صحفية ميدانية تتيح لهم فرصة التعبير عن حاجاتهم وتطلّعاتهم ، وهو جزء يسير من متطلبات الدور الثقافي للأمة الإسلامية تجاه أتباعها في أي موقع كانوا.

فعالية المسعى تفرض أن تكون لرابطة العالم الإسلامية قناة تهتم بالعالم الإسلامي قاطبة، إضافة إلى قناة تستجيب لحاجاتهم وتطلّعاتهم في مواقع سكناهم وفي إطار ظروفهم المهنية والاجتماعية.

ينتظر مجتمع الأقليات الإسلامية اهتماما إعلاميا شجاعا وحقيقيا من قبل العالم الإسلامي، اهتمام يظهر أثره في برامجها وخططها المستقبلية، وأقصر مسلك لتحقيق هذا المسعى إنشاء إذاعة وقناة فضائية تابعة لرابطة العالم الإسلامي تهتم بقضاياهم، وأحسن الأحوال أن يضمّ إليها جهد إعلامي من قبل  القنوات الفضائية في البلاد الإسلامية، ولاسيما تلك التي لها حضور كبير في المشهد الإعلامي العالمي، ولاشك أنّه جزء يسير من الوظيفة الإعلامية لقنواتنا الفضائية.

7 - توظيف النشاط الرياضي:

تعتبر الرياضة ولا سيما الرياضات الأكثر شعبية فرصة كبيرة للتلاقي، ذلك أنّها تستهوي كثير من الشباب والجيل الناشئ، بل تستهوي الكبار إن لم تكن ممارسة ففرجة، لهذا يحسن استثمار حاجات الشباب للتسابق والكبار للفرجة في التعارف بين أبناء الأقليات الإسلامية على تنوّع مشاربهم المذهبية، وخاصة أيام العطل، ولو كان بمقدورهم تنظيم بطولة تجرى مبارياتها أيام العطل كان أثرها عظيم على التعارف بين أفراد الجاليات الإسلامية، ولا يتوقف النشاط الرياضي على تلك الرياضات، بل ينبغي استثمار كل ما من شأنه تيسير التعارف بين أبنائنا في الغربة.

كما يمكن أن تكون الرياضة الجماهيرية –وإضافة إلى رياضة النخبة-وسيلة مهمّة في تقريب مجتمع الأقليات بالمجتمعات الإسلامية ومن ثمّ بالإسلام، فتنظم الدول الإسلامية دورات رياضية لصالح الأقليات تيسيرا لتعريفهم بالبلاد الإسلامية وربط بعضهم بها، وإذا كانت الرياضة وسيلة فعّالة في التعارف بين الشعوب المختلفة، فإنّها أكثر فعالية بين الشعوب المتوافقة في الملّة، فمن كانت قبلتهم واحدة ووجهة واحدة لا شك أنها تزيدهم تعارفا ثم تآزرا فتماسكا.

8-  السياحة التربوية من أجل تعريف أفراد الأقليات ببلدهم:

لا يقل دور السياحة التربوية الهادفة عن دور الرياضة في التأسيس للتفاعل الإيجابي بين الأمة وأتباعها، وتشجيع سياحة الأقليات في البلاد الإسلامية يفرض التأسيس لثقافة سياحية في البلاد المستقبلة فضلا عن السياح أنفسهم، وهذا يفرض جهدا مضاعفا من قبل الجهات الرسمية أولا وتفعيل تلك المهمة على المستوى الاجتماعي من جهة أخرى، ذلك أنّ  تستدعي جهدا عام من قبل كل أفراد المجتمع، إذ بمقدور أي عامل من العوامل غير المحسوبة أن تؤثّر سلبا على السياحة التربوية في البلاد، فيمكن لتصرف طائش بدر من  شخص ما في مكان ما أن يؤثّر  على سائح والذي بدوره ينقل مشاهداته إلى شخص آخر فتتأثر السياحة التربوية.

تيسّر السياحة التربوية بالشروط التي أشرنا إليها تقريب قلوب نشء مجتمع الأقليات من البلاد الإسلامية وثقافتها ومن ثمّ تقريبهم من ثقافتها، وحبّذا لو يبذل الخيّرون من ساسة ورجال أعمال في البلاد الإسلامية أموالا في هذا الشأن فهي من أنفذ الوسائل في تعريفهم بالبلاد الإسلامية من جهة   وثقافتهم من جهة أخرى، نعم قد لا يكون لها تأثير مباشر في الحاضر ولكن الأيام كفيلة بتقريبهم من بلدانهم، والعقلية الاستثمارية لا تنتظر النتائج مباشرة بل تراهن على تراكم النصح والتوجيه في إحداث منعطفات التغير الفكري والتربوي والاجتماعي، ولا تراهن على التغيّر الآني والمباشر لأن البشر يتعامل معهم وفق منطق البشر لا وفق منطق الأشياء، ولا ننتظر من البشر أن لا يكونوا بشرا فنطالب بالنتائج المباشرة في قضايا يستعصي التعامل معها وفق هذا المنطق، البشر يتغيّرون ولكن ببطء ووفق خطة متأنية فعالة، وإهمال هذه الميزة في التعامل مع البشر بالتسرع في طلب النتائج أو استعمال عقلية الأمالي في التعامل معهم لا يزيد المسألة إلا تعقيدا من جهة ولا يزيد المتعامل معهم وفق هذا المنطق إلا بعدا عن تحقيق الأهداف، هذا إن لم يفضي إلى زيادة ضغطه الدموي وأمراض القلب والسكر.

9- تشجيعهم على النشاط الإعلامي داخل مجتمع الأقليات:

معلوم أن تدفّقات المعلومات في العصر الراهن هي التي تصنع الفارق في المعارك الفكرية والحضارية، فالمتحكّم في تدفقات المعلومات يسيّر الرأي العام على وفق ما يشتهي في الغالب الأعم، والحدّ من خطورة هذه الوسائل يفرض التأسيس لحائط صلد يمنع تلك المعلومات من العبث بعقول ناشئتنا ويطعّمهم ضد الأمراض التي تجلبها أو على الأقل تحدّ من خطورتها على المجتمع، القيام بهذه المهمة يفرض إنشاء مواقع وفق أعلى المعايير وأرقاها. 

أ - المواقع ذات الصلة بالأمة:

يطلب بإلحاح أن يقوم بعض الرساليين –في مجتمع الأقليات - بالإشراف المباشر على  إنشاء مواقع تعرف مجتمع الأقليات بثقافة الأمة وفق الشروط المشار إليها أعلاه، تتوخى خدمة مقصد البلاغ عن الله وفق ما تستدعيه ظروف الناس وحاجاتهم واستحقاقاتهم اليومية، فلا نقحمهم فيما لا طائل منه من الأبحاث التاريخية والمذهبية الميّتة المميتة، فتركّز على كلّ ما من شأنه التعريف بالدين  في بعده المعرفي والاجتماعي والتربوي المحكوم  بالرسالة الحضارية للدين، فلا يتوقف عند التفاصيل التي كانت سببا في تضييع الأوقات وصرف الطاقات فيما لا طائل منه.

الموقع المنشود موقع رسالي يهتم بالوجود الحضاري للأمة قبل الوجود المذهبي أو الإثني، موقع يجعل التعريف بالمضامين الحضارية للدين مقصده الرئيس، والتعريف بالاتجاهات الحضارية في المجتمع من شأنه تيسير هذه المهمة والتعريف بمختلف نماذج الفكر الحضاري في البلاد الإسلامية.

ب -  الصحف والمجلات المعبّرة عن آلامهم وآمالهم:

يحسن بالأقليات أن تعرف بثقافتها ونفسها من خلال صحفها الخاصة وباللغات المحلية-لغة البلد الذي تقطن فيه الأقلية الإسلامية-، وإذا تعذّر عليها القيام بهذه المهمّة يمكن أن تنتدب بعض أفرادها للقيام بهذه المهمّة في الصحف ذات الحضور الكبير في المشهد الإعلامي المحلي أو العالمي، ويفرض نجاح هذا المسعى تشجيع أبنائنا على التخصص في الإعلام والاتصال.

10 – تشجيع الباحثين على الاهتمام بمجتمع الأقليات:

أنفذ الوسائل المعرفية المساهمة في التعريف الموضوعي بالأقليات ومشاكلهم الجامعات في عالمنا الإسلامي، فيمكن أن نجعل الجامعة مخابر دراسات علمية عن الأقليات ووضعها الاجتماعي والتربوي والإعلامي...، ويتطلب القيام بهذه المهمة مساهمة فاعلة من الجهات الرسمية والأهلية (الشعبية) على حدّ سواء، فتكون الجامعة في العالم الإسلامي مخبر دراسة وضع أهلنا في بلاد الأقليات، ولا يقتصر الاهتمام وفق ما شاع تداوله بالشأن الديني فحسبـ بل يجب أن يتناول دراسة أوضاعهم برمتها، فتهتم البحوث المنجزة في أقسام العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية بشؤون إخواننا، فتنجز الدراسات في علوم الشريعة والدراسات الاجتماعية والتربوية والنفسية والفلسفية والسياسية إضافة إلى الدراسات الحضارية التي من شأنها تيسير فهم مجتمع الأقليات ورسم خطط مضبوطة في خدمتهم ومعاونتهم على حل مشاكلهم من جهة وتيسير ظروف موضوعية لمعاونة أمتهم من جهة أخرى.

نتمنى أن تستحدث في دوائر التخصصات المشار إليها أعلاه وحدات بحثية في العالم الإسلامي تهتم بوضعية إخواننا في مجتمع الأقليات، تهتم بكل شؤونهم وفق ما ينسجم والتخصصات الجامعية، ويحسن أن يشرك أهل تلك البلاد في إنجاز هذا النمط من الدراسات، ذلك أنّها من القضايا التي يعدون أفهم الناس وأقدر الناس على تحليل عناصرها.

ثانيا : واجب الأقليات تجاه الأمّة

1 -  تمثّل ثقافة الأمة:

ثابت أن عناية الأصل بالفرع فرض عيني في حق الأمة([10])فالواجب الثابت أنّ الأمة مكلفة شرعا بالعناية بمنتسبيها، وواجب عناية المنتسبين بأمتهم لا يقل لزوما عن اللزوم المتبادر من  الأول، ولعلّ على رأس ما يتعيّن صرف الهمة له وبذل الوسع لأجل تحقيقه، تمثّل قيم الأمّة في تصرفاتهم، فيكونون خير سفير لدينهم وثقافتهم ومجتمعاتهم الإسلامية، ولا يمكن أن يكون كذلك ما لم يتحولوا إلى مشاريع ثقافية تمشي على الأرض، ذلك أن المثقفين هم حفظة التوازن في الأمم وهم القوامون على الحدود أن تهدم وعلى الحرمات أن تنتهك وعلى الأخلاق أن تزيغ، وهم الميزان لمعرفة كل إنسان حدّ نفسه، يراهم العامي المقصّر فوقه فيتقاصر عن التسامي لما فوق منزلته، ويراهم الطاغي المتجبّر عيونا حارسة فيتراجع عن العبث والاستبداد، إذا كانوا متبوعين فمن حق غيرهم أن يكون تابعا، أو كانوا في المرتبة الأولى فمن حق غيرهم أن يكون في المرتبة الثانية، ولا أضر على الأمم من الفوضى في الأخلاق والفوضى في مراتب الناس.([11])

يؤكّد هذه المعاني قول العلامة محمد البشير الإبراهيمي:" "المثقفون في الأمم الحيّة هم خيارها وسادتها وقادتها وحرّاس عزّها ومجدها، تقوم الأمة نحوهم بواجب الاعتبار والتقدير، ويقومون هم لها بواجب القيادة والتدبير، ومازالت عامة الأمم، من أول التاريخ تابعة لعلمائها وأهل الرأي والبصيرة فيها، تحتاج إليهم في أيام الأمن وفي أيام الخوف، تحتاج إليهم في أيام الأمن لينهجوا لها سبيل  السعادة في الحياة، ويغذونها من علمهم وآرائهم بما يحملها على الاستقامة والاعتدال، وتحتاج إليهم أيام الخوف ليحلوا لها المشكلات المعقّدة ويخرجونها من المضائق محفوظة الشرف والمصلحة"([12])

2 - الاجتهاد في التأسيس للتضامن الإسلامي:

تمكين خط الالتزام من قيادات مجتمع الأقليات الإسلامية يسمح بالتأسيس العملي لعقلية التضامن بين مختلف المشارب الفكرية والتربوية والمذهبية المكوّنة لمجتمع الأقليات الإسلامية،  المنتظر من هذه الشخصيات الرسالية التمكين لثقافة التواصل بين المسلمين، ولاشك أنّ مسعى التواصل في ظل وعي صنعه خطاب القطيعة مع المخالف صعب ويسترعي جهدا مضاعفا وسعيا دءوبا لتجاوز هذه العقلية المأسورة بنوع الخطاب المشار إليه أعلاه.

تجاوز الخطاب الآنف الذكر يستدعي التفكير في تأسيس أساليب جديدة يغذيها التذكير المستمر بالوحدة الإسلامية وما تتطلّبه من تكاليف شرعية وفق ما تمليه الأصول الإسلامية القطعية الثبوت والدلالة قال تعالى في محكم تنزيله:"إنّما المؤمنون إخوة"([13]) وورد عن النبي(صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح قوله:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"([14])، وورد عنه عليه الصلاة والسلام قوله:"لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه، ما يحبّ لنفسه"([15])، وهي ولا شك أخوة إيمانية بالدرجة الأولى.

3 - نفع المجتمع الإسلامي بكفاءتهم العلمية ذات الصلة بما يفيد الأمة الإسلامية:

توفّرت للأفراد الأقليات الإسلامية فرصا عظيمة لتحصيل المعارف والتوظيف في الجامعات والمراكز ذات المصاف العالي، لهذا ينتظر منهم إفادة أمتهم بما ملّكهم الله من معارف وخبرات أمتهم في أمسّ الحاجة اليها، وخاصة في المجالات التي تعاني فيها الأمة فقرا كبيرا، ولا يتوقف الأمر عند حدّ الدراسات الأكاديمية بل يتعداها للانتفاع بكل ما شأنه أن يقدّم قيمة مضافة في مجال تنمية الأمة الإسلامية في معارفها وخبراتها ومسالك تنظيم شؤونها العامة والخاصة.

  4 - العمل على ترجمة المؤلفات  العلمية والفكرية النافعة:

يمثّل الرساليون من المثقفين أمل الأمة في الاستفادة من تجارب الأمم الحيّة، وأقصر طرق إفادة الأمة منها تشجيع ترجمة الأعمال التي من شأنها أن تكون قيمة مضافة لمجتمعاتنا في شؤون مخصوصة، وخاصة المجالات التي تعد مكاسب الأمة فيها ضعيفة أو معدومة، ليس الغرض ترجمة كل ما جادت به عقلية الغالب، بل يتعيّن تعيين لجنة من شأنها التركيز على العناصر المعرفية والعلمية التي تفيد الأمة في حاضرها ومستقبلها، وليس الغرض إغماض العين عن المعارف التي من شأنها التشويش على هويتنا أو مسالك تحصيل المعارف عندنا، بل المطلوب ترجمتها أيضا ولكن في دوائر ضيّقة، لكي لا تكون آلة  لنفث السموم أو تشكيك في مسالك التحصيل عندنا، بل يجب أن يترجم المختصون كل ما من شأنه أن يؤثر على تبليغ المعارف أو تمحيصها في الفكر الإنساني، وبذلك نقطع الطريق على المشككين باسم العنوان أو تحت عنوانه، ولكن تحقيق هذا المسعى يفرض أن تكون الترجمة آنية سريعة تترجم الفكرة حال ولادتها،  وليس بعد عشرية أو عشريتين، وإلا سيصبح مستقبلنا كحاضرنا الذي يمثّل ماضي أفكار الغربيين.

5 -  تيسير طريق التحصيل المعرفي النافع للمجتمع:

ينتظر من الكفاءات العلمية ذات المستوى العالي من أبنائنا في مجتمع الأقليات إضافة إلى إفادة الأمة بخبرتهم العلمية المساهمة في التكوين المستمر للكفاءات العلمية المحلية، خاصة والسبل القانونية و الحضارية الراهنة تسمح – إلى حدّ ما – بالتعاون العلمي و المعرفي و تبادل الخبرات بين البلدان الإسلامية وسائر العالم، ذلك أنّ القيام بهذا العمل تحقيق جزء يسير من الواجب الشرعي  الثابت في ذمة أبنائنا - من مجتمع الأقليات – لصالح الأمة، ولا شك أنّه، بمقدورهم المساهمة في تفعيل الاتفاقيات العلمية المبرمة بين البلدان الإسلامية والدول الأخرى، ومن واجبهم السعي المستمر والدائم إلى نفع الأمة بآخر ما جاد به الإنتاج العلمي والمعرفي البشري.

6  - إنجاز دراسات تنفع الأمّة:

إذا كان من المنتظر من رابطة العالم الإسلامي والدول المنضوية تحت لوائها المساهمة في إنجاز دراسات علمية متنوعة تيسّر للأقليات فرص تطوير أدائهم الديني والثقافي والعلمي والاجتماعي والتربوي، فإنّه من المنتظر من كفاءاتنا العلمية في مجتمع الأقليات الإسلامية القيام بالعمل نفسه، خاصة الدراسات التي تقصد رفع مستوى الأداء العلمي والتربوي ..والتجاري والعلمي والصناعي، ذلك أنّ بلدان إقامتهم تتوفّر على قسط من الشروط  الموضوعية –إلى حدّ ما – التي تساعد على إنجاز دراسات موضوعية عن أحوال الأمة، ولو لم يكن فيها إلاّ التحرر من القيد السياسي الذي تفرضه الأنظمة الحاكمة لكان حريّا بنا تثمينه والاستفادة منه في الدراسات العلمية الموضوعية، ويتعيّن الاستثمار الجيّد لكلّ  المساحات العلمية والقانونية المتاحة من أجل إفادة الأمة ومساعدتها معرفيا ومنهجيا وعلميا، وفق ما يخدم التنمية العامة في أمتنا الإسلامية.

ولعلّ الأفيد لأمتنا أن يستثمر أبناءها وجودهم  في مفاصل القرار العلمي والسياسي لصالح أمتهم وتيسير تقدمها، ولا شك أنّ فعالية المسعى تستدعي تثمين الأمة لتلك الكفاءات العلمية والسياسية والعناية بها فضلا عن إشراكها في فهم كثير من الظواهر  ووضع خطط لتجاوز ما آل إليهم أمر الأمة من تخلّف واستبداد وظلم ...

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة

 

خلص البحث إلى أنّ الأقليات الإسلامية مصطلح يطلق على جزء من الأمة الإسلامية الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية بصرف النظر عن بلادهم الأصلية، وما داموا كذلك فالأمة مطالبة بتعهّد أحوالهم ورعاية شؤونهم، وللرابطة نفسها فأفراد الأقليات مطالبون بالقيام بواجبهم تجاه أمتهم.

انتهينا بعد البحث إلى أنّه من واجب الأمة أن تيسّر لمجتمع الأقليات اختيار قيادات دينية وتربوية وفكرية صالحة في نفسها تسعى إلى تكميل نقصها بالعلم ومستكملة مؤهلاتها التثقيفية، وتتوفّّر على قسط معتبر من الخبرة والنباهة الرسالية، وبذلك نسعف أبنائنا في الاقتصاد في الطاقات والأوقات، ونوفّر  فرصة حقيقية للتواصل بين الموالفين في الملة من خلال التركيز على ما يجمع كلمتهم ويدافع عن حقوقهم، ويحقق هذا المسعى تفعيل قانون المحبة الإيمانية بين الأتباع وحسن استثمار الظروف، والتركيز على إبعاد الشخصيات القلقة المضطربة من مقام التوجيه.

يتعيّن على الأمّة الإسلامية تركيز الجهود على أمور مستعجلة أهمها بناء المساجد وملحقاتها لأنّها تمثّل دور صناعة الوعي، وتشجيع حركة تأليف جديدة سواء أصليا أو ترجمة، ومن مكمّلات تفعيل دورها إنشاء المراكز الثقافية وملحقاتها، والفضائيات المحلية، وإنجاز برامج تلفزية تهتم بشؤونهم في بلدانهم الأصلية، كما يمكن للأمة استثمار كل التظاهرات الرياضية والتثقيفية والسياحية لصالح تقريب مجتمع الأقليات من أمتهم، فنشجّع النشاط الرياضي والسياحة التربوية من أجل تعريف أفراد الأقليات ببلدهم، إضافة إلى تشجيعهم على النشاط الإعلامي داخل مجتمع الأقليات من إنشاء  المواقع ذات الصلة بالأمة والصحف والمجالات المعبّرة عن آلامهم وآمالهم، زيادة إلى تشجيع الباحثين في البلاد الإسلامية على الاهتمام بمجتمع الأقليات.

وإذا كانت العناية بشؤون الأقليات من الفروض العينية في حق الأمّة؛فإنّه من واجب هذه الأقليات ليكون خير سفير لأمتهم تمثّل ثقافة الأمة والاجتهاد في التأسيس للتضامن الإسلامي، مع سعي دائب لنفع المجتمع الإسلامي بكفاءتهم العلمية ذات الصلة بما يفيد الأمة الإسلامية، فمن ذلك ترجمة المؤلفات  العلمية والفكرية النافعة وتيسير طريق تحصيل العلم النافع للمجتمع وانجاز دراسات تنفع الأمّة.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

[1] - اصطلاح المتقدمين مجتمع الدعوة ومجتمع الاستجابة، ويقصد بالأول المجتمعات التي نتوجّه إليها بالدعوة إلى الإسلام، أما من دخل في رحاب الإسلام فينتقل إلى مجتمع الاستجابة أي تلبية النداء.

[2] - آثار محمد البشير الإبراهيمي 4/58

[3] - انظر في واجب المثقفين ،آثار محمد البشير  الإبراهيمي 2/127-130

[4] - آثار محمد البشير  الإبراهيمي 2/ 126

[5] - آثار محمد البشير  الإبراهيمي 4 / 74

[6] - آثار محمد البشير  الإبراهيمي 4 / 74  

[7] - الخطب عام

[8] - العربية، الفارسية، التركية، الأوردو

[9] -   آثار محمد البشير  الإبراهيمي 2/126

[10] - وهو فرض كفائي في حق الأفراد  إذا قام به البعض سقطت مطالبة الباقين.

آثرنا هذا التعبير(فرض عين في حق الأمة ) لما يتضمّنه من تذكير بمسؤولية الأمة بوصفها أمة، فهي مطالبة  بتحقيق تلك المقاصد و العناية بمنتسبيها، وفيه إشارة قوية لتحميل المسؤولية للأمة برمتها، وفيه إبعاد للمعنى المتبادر من المسؤولية الفردية المتضمن في اصطلاح فرض الكفاية.

[11] - انظر آثار محمد البشير الإبراهيمي 2/126

[12] -  آثار محمد البشير الإبراهيمي 2/126

[13] - الحجرات 10

[14] -  أخرجه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده،

[15] - متفق عليه.