" واعفوا اللحى " فإن قلت : فقد ثبت قولهم : عفا أثره إذا محاه وأزاله فهلا جعلت معناه : فمن محي له من أخيه شيء ؟ قلت : عبارة قلقة في مكانها والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها وترى كثيرا ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ - إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام الله - على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه وهذه جرأة يستعاذ بالله منها . فإن قلت ؟ : لم قيل : شيء من العفو ؟ قلت : للإشعار بأنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه بأ يعفى عن بعض الدم . أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم تجب إلا الدية " فاتباع بالمعروف " فليكن ابتاع أو فالأمر اتباع . وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعا . وليؤد إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان بأن لا يمطله ولا يبخسه " ذلك " الحكم المذكور من العفو والدية " تخفيف من ربكم ورحمة " لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذا لدية وعلى أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية . وخيرت هذه الأمة بين الثلاث : القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيرا " فمن اعتدى بعد ذلك " التخفيف فتجاوز ما شرع لهم ن قتل غير القاتل أو القتل بعد أخذ الدية . فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبول الدية ثم يظفر به فيقتله " فله عذاب أليم " نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة . وعن قتادة : العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل منه دية لقوله E : " لا أعافي أحدا قتل بعد أخذه الدية " " ولكم في القصاص حياة " كلام فصيح لما فيه من الغرابة وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جعل مكانا وظرفا للحياة ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة ؛ لأن المعنى : ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه فارتدع سلم صاحبه من القتل وسلم هو من القود فكان القصاص سبب حياة نفسين . وقرأ أبو الجوزاء : ولكم في القصص حياة أي فيما قصص عليكم من حكم القتل والقصاص وقيل القصص القرآني أي : ولكم في القرآن حياة للقلوب : كقوله تعالى : " روحا من أمرنا " الشورى : 52 ، " ويحيى من حي عن بينة " الأنفال : 42 . " لعلكم تتقون " أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس " لعلكم تتقون " تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به . وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة .
" كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم " " إذا حضر أحدكم الموت " إذا دنا منه وظهرت أماراته " خير " مالا كثيرا . عن عائشة Bها : أن رجلا أراد الوصية وله عيال وأربعمائة دينار فقالت : ما أرى فيه فضلا . وأراد آخر أن يوصي فسألته : كم مالك ؟ فقال : ثلاثة آلاف . قالت : كم عيالك ؟ قال : أربعة . قالت : إنما قال الله " إن ترك خيرا " وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك وعن علي Bه : أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه . وقال : قال الله تعالى : " إن ترك خيرا " والخير هو المال وليس لك مال . والوصية فاعل كتب وذكر فعلها للفاصل ولأنها بمعنى أن يوصى ولذلك ذكر الراجع في قوله : " فمن بدله بعد ما سمعه " والوصية للوارث كانت في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث وبقوله E :
