لما عدد الله تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ويحظيها عند الله ويرديها أقبل عليهم بالخطاب وهو من الالتفات المذكور عند قوله : " إياك نعبدوإياك " وهو فن من الكلام جزل فيه هزوتحريك من السامع كما أنك إذاقلت لصاحبك حاكيأ عن ثالث لكما : إن فلانا من قصته كيت وكيت فقصصت عليه ما فرط منه ثم عدلت بخطابك إلى الثالث فقلت : يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك وتستوي على جادة السداد في مصادرك ومواردك . نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء وأوجدته بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازا من طبعه مالا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف يستفتح الآذان للاستماع ويستهش الأنفس للقبول وبلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم عن علقمة : أن كل شيء نزل فيه : " ياأيهاالناس " فهو مكي و " يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني فقوله : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " خطاب لمشركي مكة و " يا " حرف وضع في أصله لنداء البعيد صوت يهتف به الرجل بمن يناديه . وأما نداء القريب فله أي والهمزة ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب . تنزيلا له منزلة من بعد فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معني به جدا . فإن قلت : فما بال الداعي يقول في جؤاره : يا رب ويا ألله وهو أقرب إليه من حبل الوريد وأسمع به وأبصر قلت : هو استقصار منه لنفسه واستبعاد لها من مظان الزلفى وما يقربه إلى رضوان الله ومنازل المقربين هضما لنفسه وإقرارا عليها بالتفريط في جنب الله مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه وابتهاله و " أي " وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن " ذو " و " الذي " وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل . وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو " أي " والاسم التابع له صفته كقولك : يا زيد الظريف إلاأن " أيا " لا يستقل بنفسه استقلال " زيد " فلم ينفك من الصفة . وفي هذا التدرج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد . وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين : معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه ووقوعها عوضا مما يستحقه أي من الإضافة . فإن قلت : لم كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره . قلت : لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة : لأن كل ما نادى الله له عباده - من أوامره ونواهيه وعظاته وزواجره ووعده ووعيده واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم وغير ذلك مما أنطق به كتابه - أمور عظام وخطوب جسام ومعان - عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم عنها غافلون . فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكدالأبلغ . فإن قلت : لايخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجها إلى المؤمنين والكافرين جميعأ أوإلى كفار مكة خاصة على ما روى عن علقمة والحسن فالمؤمنون عابدون ربهم فكيف أمروا بما هم ملتبسون به وهل هو إلاكقول القائل : .
فلواني فعلت كنت من تسأله وهو قائم أن يقوما
