لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويحققها ويبطل الإشراك ويهدمه وعلم الطريق إلى إثبات ذلك وتصحيحه وعرفهم أن من أشرك فقد كابر عقله وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوة محمد A وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة وأراهم كيف يتعرفون أهو من عند الله كما يدعي أم هو من عند نفسه كما يدعون . بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ويذوقوا طباعهم وهم أبناء جنسه وأهل جلدته . فإن قلت : لم قيل : " مما نزلنا على لفظ التنزيل دون الإنزال . قلت : لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من محازه لمكان التحدي وذلك أنهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند الله مخالفا لما يكون من عند الناس لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة وآيات غب ايات على حسب النوازل وكفاء الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينأ وشيئا فشيئا حسب ما يحق لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعة ولا يرمي الناثر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة فلو أنزل الله لأنزله خلاف هذه العالدة جملة واحدة : قال الله تعالى : " وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " الفرقان فقيل : إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه وهلموا نجما فردا من نجومه : سورة من أصغر السور أو ايات شتى مفتريات . وهذه غاية التبكيت . ومنتهى إزاحة العلل . وقرئ : " على عبادنا " يريد رسول الله A وأمته . والسورة : الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات . وواوها إن كانت أصلا فإما أن تسمى بسورة المدينة وهي حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة محوزة على حيالها كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد كإحتواء سورة المدينة على ما فيها . وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة . قال النابغة : .
ولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابها بمطار .
لأحد معنيين لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ : وهي أيضا في أنفسها مترتبة : طوال وأوساط وقصار أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين . وان جعلت واوها منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه . فإن قلت : ما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سورا . قلت : ليست الفائدة في ذلك واحدة . ولأمر ما أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه على هذا المنهاج مسورة مترجمة السور . وبوب المصنفون في كل فن كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم . ومن فوائده : أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتمل على أصناف كان أحسن وأنبل وأفخم من أن يكون بيانا واحدا . ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله . ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا أو انتهى إلى رأس بريد : نفس ذلك منه ونشطه للسير . ومن ثم جزأ القراء القرآن أسباعا وأجزاء وعشورا وأخماسا . ومنها أن الحافظ إذا حذفه السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة فيعظم عنده ما حفظه ويجل في نفسه ويغتبط به . ومنه حديث أنس Bه :