" كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا ومن ثمة كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل . ومنها أن التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض . وبذلك تتلاحظ المعاني ويتجاوب النظم إلى غير ذلك من الفوائد والمنافع " من مثله " متعلق بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله . والضميرلما نزلنا أو لعبدنا . ويجوز أن يتعلق بقوله : " فأتوا " والضمير للعبد . فإن قلت : وما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل . قلت : معناه فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم . أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا عربيا أو أميا لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك . ولكنه نحو قول القبعثري للحجاج - وقد قال له : لأحملنك على الأدهم - مثل الأمير حمل على الأدهر والأشهب . أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد . ولم يقصد أحد يجعله مثلا للحجاج . ورد الضمير إلى المنزل أوجه لقوله تعالى : " فأتوا بسوره من مثله " . " فأتوا بعشر سور مثله " هود : " على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله " الإسراء : ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب والكلام مع رد الضمير إلى المنزل أحسن ترتيبا . وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه وهو مسوق إليه ومربوط به فحقه أن لا يفك عنه برد الضمير إلى غيره . ألا ترى أن المعنى : وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله . فهاتوا أنتم نبذا مما يماثله ويجانسه . وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله A أن يقال : " وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله " . ولأنهم إذا خوطبوا جميعا - وهم الجم الغفير - بأن بأتوا بطائفة يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم كان أبلغ في التحدي من أن يقال لهم : ليأتي واحد اخر بنحو ما أتى به هذا الواحد ولأن هذا التفسير هو الملائم لقوله : " وادعوا شهدآءكم " والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة . ومعنى " دون " أدنى من مكان من الشيء . ومنه الشيء الدون وهو الدني الحقير ودون الكتب إذا جمعها لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض وتقليل المسافة بينها . يقال : هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلا . ودونك هذا : أصله خذه من دونك . أي من أدنى مكان منك فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم . ومنه قول من قال لعدوه وقد راآه بالثناء عليه : أنا دون هذا وفوق ما في نفسك واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى حكم إلى حكم . قال الله تعالى : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " آل عمران : أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين . وقال أمية : .
يا نفس مالك دون الله من واقي .
أي إذا تجاوزت وقاية الله ولم تناليها لم يقك غيره . " من دون الله " متعلق بادعوا أو بشهداءكم . فإن علقته بشهداءكم فمعناه : ادعو الذين اتخذتموهم الهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق . أو ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله من قول الأعشى : .
تريك القذى من دونها وهي دونه