والعهد : الموثق . وعهد إليه في كذا : إذا وصاه به ووثقه عليه . واستعهد منه : إذا اشترط عليه واستوثق منه . والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله : أحبار اليهود المتعنتون أومنافقوهم أو الكفار جميعا . فإن قلت : فما المراد بعهد الله . قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم وهو معنى قوله تعالى : " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " الأعراف : أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول A - يصدقه الله بمعجزاته - صدقوه واتبعوه ولم يكموا ذكره فيما تقدمه من الكتب المنزلة عليهم كقوله : " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم " البقرة : . وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه : " سأنزل عليك كتابا فيه نبأ بني إسرائيل وما أريته إياهم من الآيات وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به وما ضيعوا من عهده إليهم " وحسن صنعه للذين قاموا بمثياق الله تعالى وأوفوا بعهد ونصره إياهم وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده لأن اليهود فعلوا ا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد A التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا بمحمد A . وقيل : هو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم ولا يبغي بعضهم على بعض ولا يقطعوا أرحامهم . وقيل : عهدالله إلى خلقه ثلاثة عهود : العهدالأول الذي أخذه على جميع ذرية ادم الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى : " وإذا أخذ ربك " الأعراف : وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهو قوله تعالى : " وأخذنا من النيبن ميثاقهم " . الأحزاب وعهد خص به العلماء وهو قوله : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه " آل عمران . والضمير في ميثاقه للعهد وهو ماوثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم . ويجوز أن يكون بمعنى توثقته كما أن الميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة . ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى أي من بعد توثقته عليهم أو من بعد ما وثق به عهده من اياته وكتبه و انذار رسله . ومعنى قطعهم ما أمر الله به أن يوصل : قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين وقيل : قطعهم ما بين الانبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض . فإن قلت : ما الأمر . قلت : طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه . وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمورلأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بامر يأمره به فقيل له : أمر تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به كما قيل له شأن . والشأن : الطلب و القصد . يقال : شأنت شأنه أي قصدت قصده " هم الخاسرون " لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها .
" كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شئ عليم " معنى الهمزة التي في " كيف " مثله في قولك : أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان وهو الانكار والتعجب . ونظيره قولك : أتطير بغير جناح وكيف تطير بغير جناح فإن قلت : قولك : أتطير بغير جناح إنكار للطيران لأنه مستحيل بغير جناح وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء . قلت : قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان . فإن قلت : قد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه أو لقوة الصارف عنه فما تقول في " كيف " حيث كان إنكارا للحال التي يقع عليها كفرهم . قلت : حال الشيء تابعة لذاته فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال ة فكان إنكار حال الكفار لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكارا لذات الكفر وثباتها على طريق الكناية وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ . وتحريره : أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها . وقد علم أن كل موجود لا ينفك عن حال وصفة عند وجوده . ومحال أن يوجد بغيرصفة من الصفات كان إنكارا لوجوده على الطريق البرهاني
