الباء التي في " بالباطل " إن كانت صلة مثلها في قولك : لبست الشيء بالشيء خلطته به كان المعنى : ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بين حقها وباطلكم وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك : كتبت بالقلم كان المعنى : ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه " وتكتموا " جزم داخل تحت حكم النهي بمعنى : ولا تكتموا . أو منصوب بإضمار أن والواو بمعنى الجمع أي ولا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كقولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . فإن قلت : لبسهم وكتمانهم ليسا بفعلين متميزين حتى ينهوا عن الجمع بينهما لأنهم إذا لبسوا الحق بالباطل فقد كتموا الحق قلت : بل هما متميزان لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في التوراة ما ليس منها . وكتمانهم الحق أن يقولوا : لا نجد في التوراة صفة محمد A أو حكم كذا . أو يمحو ذلك . أو يكتبوه على خلاف ما هو عليه . وفي مصحف عبد الله : " وتكتمون " بمعنى كاتمين " وأنتم تعلمون " في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون وهو أقبح لهم لأن الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه " وأقيموا الصلاة واءتوا الزكاة " يعني صلاة المسلمين وزكاتهم " واركعوا مع الراكعين " منهم لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم . وقيل : الركوع الخضوع والانقياد لما يلزمهم في دين الله . ويجوز أن يراد بالركوع : الصلاة كما يعبر عنها بالسجود وأن يكون أمرا بأن تصلى مع المصلين يعني في الجماعة كأنه قيل : وأقيموا الصلاة وصلوها مع المصلين لا منفردين .
" أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون " " أتأمرون " الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم . والبر سعة الخير والمعروف . ومنه البر لسعته ويتناول كل خير . ومنه قولهم : صدقت وبررت . وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد A ولا يتبعونه .
وقيل : كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون وإذا أتوا بصدقات ليفرقوها خانوا فيها . وعن محمد بن واسع : بلغني إن ناسا من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم : قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة . قالوا : كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها . " وتنسون أنفسكم " وتتركونها من البر كالمنسيات " وأنتم تتلون الكتاب " تبكيت مثل قوله : " وانتم تعلمون " يعني تتلون " التوراة وفيها نعت محمد A أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل " أفلا تعقلون " توبيخ عظيم بمعنى : أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول لأن العقول تأباه وتدفعه . ونحوه : " أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون " الأنبياء : " . واستعينوا " على حوائجكم إلى الله " بالصبر والصلاة " أي بالجمع بينهما وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها - من إخلاص القلب وحفظ النيات ودفع الوساوس ومراعاة الاداب والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه . ومنه قوله تعالى : " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " طه : أو : واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها .
وكان رسول الله A - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وعن ابن عباس أنه نعى إليه أخوه " قثم " وهو في سفر فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : واستعينوا بالصبر والصلاة وقيل : الصبر الصوم لأنه حبس عن المفطرات . ومنه قيل لشهر رمضان : شهر الصبر . ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء وأن يستعان على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في دفعه " وإنها " الضمير للصلاة أو للاستعانة . ويجور أن يكون لجميع
