" ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " اختبره بأوامر ونواه . واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه عن اختيار أحد الأمرين : ما يريد الله وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك . وقرأ أبو حنيفة Bه وهي قراءة ابن عباس Bه : إبراهيم ربه رفع إبراهيم ونصب ربه . والمعنى : أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أم لا ؟ فإن قلت : الفاعل في القراءة المشهورة يلي الفعل في التقدير فتعليق الضمير به إضمار قبل الذكر . قلت : الإضمار قبل الذكر أن يقال : ابتلى ربه إبراهيم . فأما ابتلى إبراهيم ربه أو ابتلى ربه إبراهيم فليس واحدا منهما بإضمار قبل الذكر . أما الأول فقد ذكر فيه صاحب الضمير قبل الضمير ذكرا ظاهرا . وأما الثاني فإبراهيم فيه مقدم في المعنى وليس كذلك : ابتلى ربه إبراهيم فإن الضمير فيه قد تقدم لفظا ومعنى فلا سبيل إلى صحته . والمستكن " فأتمهن " في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى : فقام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان . ونحوه : " وإبراهيم الذي وفى " وفى الأخرى لله تعالى بمعنى فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئا . ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله : " رب اجعل هذا بلدا آمنا " البقرة : 126 ، " واجعلنا مسلمين لك " " وابعث فيهم رسولا منهم " . " ربنا تقبل منا " فإن قلت : ما العامل في إذ ؟ قلت : إما مضمر نحو : واذكر إذ ابتلى أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما " قال إني جاعلك " . فإن قلت : فما موقع قال ؟ قلت : هو على الأول استئناف كأنه قيل : فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات ؟ فقيل : قال إني جاعلك للناس إماما . وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها . ويجوز أن يكون بيانا لقوله : ابتلى وتفسيرا له فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده . والإسلام قبل ذلك في قوله : " إذ قال له ربه أسلم " وقيل في الكلمات : هن خمس في الرأس : الفرق وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق . وخمس في البدن : الختان والاستحداد والاستنجاء وتقليم الأظفار ونتف الإبط . وقيل : ابتلاه من شرائع الإسلام بثلاثين سهما : عشر في براءة " التائبون العابدون " التوبة : 122 ، وعشر في الأحزاب " إن المسلمين والمسلمات " الأحزاب : 35 ، وعشر في المؤمنون و " سأل سائل " إلى قوله : " والذين هم على صلاتهم يحافظون " المعارج : 34 . وقيل : هي مناسك الحج كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرهن . وقيل : ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس والختان وذبح ابنه والنار والهجرة . والإمام اسم من يؤتم به على زنة الإله كالإزار لما يؤتزر به أي يأتمون بك في دينهم " ومن ذريتي " عطف على الكاف كأنه قال : وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك : سأكرمك فتقول : وزيدا " لا ينال عهدي الظالمين " وقرئ : الظالمون أي من كان ظالما من ذريتك . لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة وإنما ينال من كان عادلا بريئا من الظلم وقالوا : في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة . وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته . ولا تجب طاعته ؛ ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة . وكان أبو حنيفة C يفتي سرا بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما وحمل المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه . وقالت له امرأة : أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل . فقال : ليتني مكان ابنك . وكان يقول في المنصور وأشياعه : لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت . وعن ابن عيينة : لا يكون الظالم إماما قط . وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة . فإذا نصب من كان ظالما في نفسه فقد جاء المثل السائر : من استرعى الذئب ظلم . و " البيت " اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا " مثابة للناس " مباءة ومرجعا للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه أي يثوب إليه أعيان الذين يزورونه أو أمثالهم " وأمنا " موضع أمن كقوله : " حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " العنكبوت : 67 ، ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج . وقرئ : مثابات لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم " سواء العاكف فيه والباد " " واتخذوا " على إرادة القول أي وقلنا : اتخذوا منه موضع صلاة تصلون